
د بهاء درويش
لنعد معًا لعام 2009 م، عندما كتبت بحثًا أعيد فيه تقييم فلسفة جون ستيوارت مل، ثم عام 2013 م عندما طُلب مني أن أكتب بحثًا لأشارك به في كتاب جماعي عن التنمية المستدامة، والمقصود بالتنمية المستدامة: أن نقوم بعملية التنمية على أن نراعي مصالح الأجيال القادمة، فالتنمية الحقيقية هي التنمية التي لا نؤذي الأجيال القادمة، فلا تقوم التنمية مثلًا على استهلاك كل الموارد الطبيعية؛ لأن الأجيال القادمة سوف تأتي ولا تجد من الموارد الطبيعية ما تحتاج إليه، والتنمية المستدامة لا تعني أن نؤذي التنوع البيولوجي، فالكون مصمم بحيث يحتاج كل نوع لغيره من الأنواع، والتنوع البيولوجي من الممكن أن يُؤذى بالصيد الكثيف وبالتقطيع الكثيف للأشجار؛ وهو ما يعني القضاء على بعض الأنواع التي تحتاجها الأنواع الأخري وبالتالي تتأثرا سلباً هذه الأنواع الأخرى.
المهم أن اهتمامي بالتنمية المستدامة جعلني أشعر بمدى أهميتها، ومدى التبعات التي قد تنتج عن عدم مراعاتها، فعندما جاء عام 2014 م وكُنت عضوًا بمجلس الكلية، اقترحت على وكيل الكلية لشؤون البيئة أن نقدم للطلاب محاضرات توعوية عن هذا الموضوع، لأنه موضوع في غاية الأهمية، الناس في بيوتها تترك المصباح الكهربائي مُضاءً دون إطفائه رغم عدم وجود أحد في الغرفة، ويُترك التكييف يعمل ثم يغادر الناس الغرفة وهكذا…
هذه كلها استهلاكات بدون فائدة، وبالتالي تتضاد مع التنمية المستدامة، فعرضت عليهم ضرورة إقامة ندوات توعوية عن التنمية المستدامة تحديداً.
ولكن للأسف الشديد لم يستجب وكيل الكلية، ولم يشعر مجلس الكلية بأهمية هذا الكلام.
مناسبة هذا الكلام الذي أكتبه الآن هى اللقطات التوعوية التي يقوم بها التلفاز المصري الآن حول ضرورة إطفاء الكهرباء في الغرف التي لا يوجد بها أحد، لماذا؟
لأنه بسبب ظروف الحرب الدائرة الآن، أصبح لدينا أو من الممكن أن يكون لدينا مشكلة في الطاقة،
سؤالي الآن: لماذا ننتبه للمشكلة فقط عند حدوثها؟ لماذا لا نطبق التفكير بعيد المدى؟ أي لماذا لا يكون لدينا رؤية بعيدة؟ لماذا ننتظر حدوث المشكلة ثم نبدأ في التوعية؟
فلو أننا نشرنا الوعي بين الناس منذ عام 2014 م بلا شك كان هذا سيختلف تمامًا عن أن نقوم بتوعيتهم وقت حدوث المشكلة.
ولكن حتى لا نظلم الإعلام، الإعلام يقوم بالتوعية من وقت لآخر، في وقت من الأوقات كان هناك إعلان عن ضرورة غلق أو تصليح صنبور المياه في المنزل إذا كان يخرج منه نقط بسيطة من الماء، وكان الإعلان عن: (ست سنية سايبة الماية ترخ من الحنفية، حرام يا ست سنية).
وبعد ذلك كانت هناك أيضًا من الإعلانات التي أتذكرها إعلان (أنظر حولك) لتحديد النسل، فالإعلام يقوم بدوره من حين لآخر لا نستطيع أن نظلمه، ولكن ما نحتاجه هو الاستدامة، أي تظل هذه التوعية مستمرة مستدامة، لأن التنمية المستدامة لا تحدث من خلال إعلانات أو لقطات لفترة ثم تتوقف، لأن الناس بطبيعتها تنسى وتشغلها الحياة وتلهيها في أمور أخرى، ولكن مع استدامة التوعية يحدث تغيير في سلوكيات الناس وتحدث التنمية المستدامة.