مقالة بقلم : عماد عواودة ، ابو حازم
القيم في مجتمعات الشرق الأوسط ليست حجارة صمّاء ، ولا هي نصوصٌ لا تتفاعل مع متغيرات الزمن ، القيم المجتمعية كائنٌ حيّ ، يتنفس مع الناس ، ويشيخ ويتجدّد دمه ، ويعيد تعريف نفسه كلما تغيّرت أنماط الحياة ، ومن يتابع ويتفكر بالمشهد المعاصر ، يرى حركةً عميقة تحت السطح ؛ حركةً تعلن إعادة التشكّل لكثير من مكونات المجتمع الحسية وغير الحسية .
على امتداد عقود طويلة ، او حتى قرون ، كانت الجماعة هي المركز الأقوى ؛ العائلة الممتدة ، العشيرة ، الحيّ ، الطائفة او الأقليات ؛ دوائر متداخلة تمنح الفرد هويته ومكانته وحدود حركته ، كانت السمعة رأسمالاً ، وكان الرضا الاجتماعي ضمان للاستقرار ، إلا أن الرياح تهب وتعصف بالتغيير ، رياح التعليم ، والهجرة ، والتمدّن ، والاقتصاد الحديث ، ومن ثم الفضاء الرقمي المفتوح ، دفعت بالفرد لتصدر الواجهة ، لم يعد الابن ينتظر دائماً قرار العائلة في تفاصيل مستقبله وقراراته ، ولم تعد الابنة ترى خياراتها محصورة في إطار محدد ، نشأ جيلٌ يفاوض التقاليد ، بعد أن كان يتلقاها صامتاً ، ويبحث عن توازن بين حقّه في الاختيار وواجبه في الانتماء .
هذا التحول لم يمضي بسلاسة دون توتر ، فمفهوم السلطة بحد ذاته تعرّض لإعادة نظر ؛ السلطة الأبوية التي كانت تستند إلى الخبرة والعمر والموقع الاجتماعي ، وجدت نفسها أمام مصادر جديدة للمعرفة والتأثير ، الهاتف النقال صار نافذةً على العالم ، والمنصات الإلكترونية كسرت احتكار المعلومة ، ما عادت الطاعة فضيلةً بديهية ، بل غدت مشروطة بالإقناع ، وهنا نشأ صراع خفيّ بين سلطتين ؛ « سلطة الأمر » و« سلطة الحجة » ، بين من يرى في التحول تهديداً للتماسك، ومن يراه ضرورةً للحياة .
النظرة الإقتصادية لعبت دوراً حاسماً في هذا التحوّل ؛ الانتقال من أنماط إنتاج تقليدية إلى اقتصاد خدماتي وتقني أعاد ترتيب المكانة الاجتماعية ، لم تعد الحرفة الموروثة قدراً ، ولم تعد المكانة تُكتسب بالاسم واللقب والعشيرة .
دخلت المرأة بقوة أكبر إلى سوق العمل ، وتقلّصت الأسرة الممتدة لصالح الأسرة النووية ، وتقدّمت قيمة الكفاءة الفردية على حساب الامتيازات الموروثة ، تغيّر معنى النجاح ذاته ؛ لم يعد محصوراً في رضا الجماعة ، إنما في تحقيق الذات أيضاً .
أما الدين ، وهو مكوّنٌ أصيل في هوية منطقة الشرق الاوسط ، فلم يكن بعيداً عن هذه التحولات ، بل دخل إليها من باب التأويل ، حضوره في المجتمع لم يتراجع بقدر ما تنوّعت قراءاته ؛ بين تديّن ثقافي متوارث ، وتديّن معرفي يسعى للفهم ، وتديّن فردي يبحث عن علاقة شخصية مع النصوص ، تعدّدت المسارات ، وبات النقاش أكثر علنيةً وأكثر اتساعاً .
لا يمكن إغفال أثر الأزمات السياسية والحروب والهجرات القسرية التي أعادت صياغة مفهوم الأمان والانتماء ، في بعض السياقات تعزّزت الهوية الوطنية بوصفها مظلةً جامعة ، وفي سياقات أخرى تراجعت الثقة بالمؤسسات الرسمية وشبه الرسمية والمنظمات ، وصعدت قيم البراغماتية وتفاعلية ، كل ذلك أسهم في تشكيل منظومة قيم مزدوجة فيها من المرونة ، وفيها أيضاً من الهشاشة .
فهل نحن أمام تآكلٍ للقيم ؟ ، أم أمام ميلاد صيغة جديدة لها؟ ، لعلّ الأدق أن نقول إننا أمام لحظة فارقة وتفاوض تاريخي ؛ لحظة تعيد فيها المجتمعات تعريف ذاتها بين جذورٍ تضرب عميقاً في الأرض ، وأغصانٍ لم تعد تخشى مواجهة الريح ، القيم لا تموت بسهولة ، لكنها تتبدّل في أشكال شتى ، تبحث عن ادوات جديدة تعبّر بها عن اختلافات المجتمعات وتطورها ، وفي هذا المخاض ، يتشكّل وجه الشرق الأوسط القادم : مزيجاً من الذاكرة والحداثة او الإبتكار ، من الوفاء لقيم الماضي والتحرّر منها دون الغاءها ، والسعي بين الأصالة والتجديد .
إن التحوّلات القيمية التي تعصف بمجتمعات الشرق الأوسط ليست عاصفةً عابرة ، ولا موجةً يمكن أن تنكسر على صخرة الماضي ثم تتلاشى ، إنها أشبه بمدٍّ طويل ، يعيد رسم الشاطئ بصبرٍ وفعل داؤب ، قد تبدو بعض الملامح مألوفة ، لكن الطرق تغيّرت ، والمسافات تبدّلت ، واللغة التي تصف المجتمعات لم تعد هي ذاتها .
من الإنصاف أن لا نختزل المشهد في ثنائية « انحلال » و« التزام » ، أو « أصالة » و« تغريب » ، فالمجتمعات لا تعيش بالثنائيات الصارمة ، لكنها تتراوح بالمناطق الرمادية التي تُنتج حلولاً وسطى ، وتسوياتٍ هادئة ، وتعايشاً بين أنماط متجاورة او متقاربة ،في البيت الواحد قد يجلس جيلان يختلفان في الرؤية ، لكنهما يشتركان في الماضي ذاته ، والحنين ذاته ، والخوف ذاته ، والرغبة ذاتها في حياة كريمة ، لكن في إختلاف بالرؤية ؛ هنا ، في هذا الاشتراك الإنساني ، تتكوّن المساحة التي يمكن أن تولد منها قيمٌ جديدة ، لا تنكر الماضي وتقصيه ولا تستنسخه .
ربما التحدّي الأكبر ليس في تغيّر القيم ، بل في قدرتنا على إدارتها بوعيٍ ومسؤولية ، إن القيم ليست شعاراتٍ معلّقة ، هي ممارسات يومية ؛ في العمل ، في الحوار ، في الاختلاف ، كما انَّه علينا أن ندرك أن ما يُفقد المجتمع توازنه ليس التحوّل بحدّ ذاته ، بل العجز عن استيعابه أو تأطيره ضمن رؤيةٍ أخلاقية قيمية .
إن الشرق الأوسط اليوم يقف عند مفترقٍ دقيق : بين خوفٍ مشروع من فقدان الهوية ، وحاجةٍ ملحّة إلى التجديد ، وبين تمسك بالجذور ، وتطلّعٍ إلى آفاق واسعة ، وفي هذا التوتر الخلّاق تكمن فرصةٌ لا نعتبرها أزمة ؛ لأنها فرصة لصياغة سردية قيميّة أكثر نضجاً ومرونة ، أكثر إنصافاً للفرد دون أن أن نهمش الجماعة « عائلة أو عشيرة » ، وأكثر انفتاحاً على العالم دون أن تفقد خصوصيتها .
التحوّل ليس قدراً أعمى يسير على غير هدى ، بل إمكانية إدارة التحول ، وإما أن يكون عبئاً نُقاومه ، أو جسراً نعبر به نحو صيغةٍ أصدق للعيش المشترك ضمن منظومة اخلاقية تسمو ، وحين تنجح المجتمعات في تحويل القلق إلى وعي ، والاختلاف إلى حوار ، والتغيير إلى مسؤولية ، فإنها لا تفقد منظومتها القيمية ، إنما تعثر عليها من جديد ، في صورةٍ أكثر عمقاً وإنسانية وثباتاً .

( عماد عواودة ، ابو حازم
الخميس ١٢ فبراير ٢٠٢٦ ، قميم / الاردن )