في شمال المملكة الأردنية الهاشمية ، حيث تتعانق السهول بالبادية ، وتتشابك القرى بامتداداتها نحو الجوار ، لا يمكن للمرء أن يقرأ المكان بمعزل عن ساكنيه ، ولا أن يفهم الحاضر دون أن يصغي جيداً إلى صدى الماضي ، هنا لا تُختزل القبيلة في اسم عائلة أو شجرة نسب ، إنما تتجلى كبنية اجتماعية حيَّه ، تنبض بالعادات ، وتتشكل بالتحالفات ، وتعيد تعريف ذاتها مع كل تحوّل سياسي أو اقتصادي .
هذا المقال لا يسعى إلى تمجيد القبيلة ولا إلى تفكيكها بوصفها أثراً من زمن مضى ، ولكن يحاول الاقتراب منها اقتراباً هادئاً بعين « أنثروبولوجية » ، ترى في تفاصيل الحياة اليومية – في المصاهرة، وفي الشعر الشعبي، وفي المجالس، وفي الانتخابات – مفاتيح لفهم أعمق لبنية المجتمع في شمال الأردن ، إنه مدخل لفهم الإنسان والبنية المجتمعية والتاريخ والموقف .
يشكّل الحديث عن قبائل وعشائر شمال المملكة الأردنية الهاشمية مدخلاً مركزياً لفهم البنية الاجتماعية في هذه الرقعة الجغرافية التي ظلّت عبر قرون معبراً للقبائل ، ومسرحاً للهجرات ، وميداناً للتحالفات والصراعات ؛ فالقبيلة هنا ليست مجرد وحدة من الأقارب بالدم والنسب ، لكنها نسق اجتماعي – سياسي متكامل ، يختزن في داخله منظومة قيم ، وآليات ضبط ، وأدباً شفهياً ، وذاكرة تراكمية عابرة للحدود السياسية الحديثة .
من منظور أنثروبولوجي ، تتأسس قبائل شمال الأردن على ثلاثة مصادر رئيسة : أهل المنطقة الأصليين الذين تضرب أنسابهم في عمق التاريخ المحلي ، الهجرات العربية من الجزيرة العربية ، إضافة إلى موجات جاءت من شمال أفريقيا ومناطق أخرى ؛ ثم تأثير الحملات والغزوات التي مرّت بالمنطقة ؛ من غزوات الإسكندر الأكبر إلى الحملات الصليبية ، فحملة نابليون بونابرت ، وصولاً إلى الاستعمار الأوروبي ، هذه التراكمات لم تُنتج قطيعة ، بل تفاعلات انصهرت داخل البنية القبلية ، وأعادت تشكيلها باستمرار .
القبيلة العربية ، في بنيتها الكلاسيكية ، تمثل « دولة مصغّرة» : شيخها حاكم رمزي وفعلي ، وأعرافها قانون ناظم ، وتضامنها ضمانة حماية واقتصاد ، غير أن هذه الصورة لا تُفهم إلا باستحضار ما قرّره ابن خلدون في « المقدمة » حول العصبية ، والفرق بين البدو والحضر ، فالبدوي عنده أشد تمسكاً بالنسب ، وأقوى تماسكاً بعصبته ، فيما المدينة خليط واسع من الأجناس والأفكار ، حيث تتبدل القيم والعادات بفعل التعقيد الاقتصادي والسياسي شمال الأردن ، تاريخياً ، كان منطقة تماس بين هذين العالمين : القبيلة والمدينة ؛ البداوة والحضر .
تتجاوز قبائل شمال الأردن الحدود السياسية الحديثة ، فامتداداتها تصل إلى جنوب سوريا ، ولبنان ، وشمال فلسطين ، والعراق ، وشمال الجزيرة العربية ، هذا الامتداد يعكس حقيقة أن الحدود التي رسمتها الدولة الحديثة لم تُلغِ الروابط القرابية ، وقد ظهر أثر ذلك بوضوح في سياق الأزمة السورية ، حيث عبرت صلات النسب والمصاهرة الحدود ، وأعادت تشكيل شبكات التضامن والديموغرافيا المحلية ، بما فرض تحديات جديدة على الدولة والمجتمع .
من زاوية علم الاجتماع البدوي ، الذي اشتغل عليه بعمق الدكتور « حمد الجاسر » ، فإن القبيلة ليست مجرد وحدة نسب ، بل وحدة اقتصاد وتنظيم ومعرفة بالمجال ، التحالفات بين القبائل ، أو بين عدة عشائر لتشكيل مكوّن أكبر ، كانت آلية للحماية وتعظيم النفوذ السياسي والاقتصادي ، هذه التحالفات قد تقوم على القرابة ، أو المصاهرة ، أو المصالح المشتركة ، وتتحول أحياناً إلى كتل انتخابية في سياق الدولة الحديثة .
الأدب الشعبي في شمال الأردن – من شعر بدوي، وسرديات بطولية ، وحكايات نسب – شكّل أرشيفاً شفوياً يوثق العلاقات بين القبائل الممتدة من شمال السعودية إلى الأردن وسوريا ولبنان وحتى شمال العراق وجنوب تركيا ، هذا الأدب لم يكن من الكماليات الجمالية ، لكنه كان أداة لإعادة إنتاج الهوية ، وترسيخ التحالفات ، وصياغة صورة الذات في مواجهة الآخر ، هنا تبرز إشكالية التوازن بين الأنثروبولوجيا كعلم يسعى إلى التفكيك والتحليل ، وبين السردية الشفوية التي تميل إلى التمجيد والانتقاء ، المقاربة الرصينة تقتضي احترام الذاكرة التراكمية ، دون أن تستحوذ عليها .
اجتماعياً ، تميّزت قبائل شمال الأردن بعادات متأصلة : الكرم ، والنجدة ، وحماية الجار ، وتنظيم الثأر والدية عبر الأعراف ، كما أنَّ التزاوج بين القبائل والعشائر في الإقليم الأوسع أسهم في تخفيف حدة الانغلاق ، وخلق شبكات قرابة عابرة للحدود ، ما انعكس على سلوكيات أكثر مرونة في بعض التوجهات ، وأكثر تمسكاً بالهوية في نواحٍ أخرى ، أما المرأة ، فقد أدّت دوراً محورياً في الحياة القبلية ، سواء في تثبيت المصاهرات ، أو في إدارة الشأن الأسري والاقتصادي ، مع تحولات ملحوظة في العقود الأخيرة نحو التعليم والمشاركة العامة .
سياسيًا ؛ لم تكن الدولة الأردنية في خصومة جوهرية مع البنية القبلية ، بل اعتمدت عليها تاريخياً في بناء مؤسساتها ؛ فالعشائر شكّلت قاعدة للاستقرار ، ورافداً للقوات المسلحة والأجهزة الإدارية ، القانون العشائري ، رغم خضوعه لسلطة الدولة ، ظل جزءاً من منظومة العدالة الاجتماعية ، خاصة في قضايا الصلح والديات ، ويبقى السؤال المطروح : هل القبيلة بديل عن الحزب السياسي؟ ، في الواقع ؛ لعبت القبيلة دوراً سياسياً واضحاً في الانتخابات البرلمانية والبلدية ، لكنها لا تمثل برنامجاً أيديولوجياً بقدر ما تمثل شبكة تضامن ، لذا فهي قد تملأ فراغ الأحزاب حين تضعف ، او غيابها ، لكنها لا تُغني عن العمل الحزبي المؤسسي .
اليوم ؛ تواجه عشائر شمال الأردن تحديات التحول الاقتصادي ، والبطالة ، وتراجع الزراعة ، وضغط الحداثة الإعلامية ، فابن القبيلة يجد نفسه بين إرث العصبية ومتطلبات الدولة المدنية ، بين قيم الشيوخ وقوانين السوق ، غير أن التجربة الأردنية أظهرت قدرة نسبية على التكيّف ؛ فالقبيلة أعادت تشكيل نفسها داخل الدولة ، وأسهمت في إعادة تشكيل البنية التحتية للدولة الحديثة ، لا بوصفها نقيضاً للدولة او الحكومة ، إنما شريكاً في التكوين .
وفي مشروع كتابة سردية أردنية شاملة ، لا يمكن إقصاء القبيلة أو اختزالها ، فهي مكوّن أصيل في الهوية الوطنية ، بشرط أن تُدرج ضمن إطار جامع يعترف بتنوع المجتمع ، ويوازن بين الخصوصية العشائرية والانتماء للدولة ، فالتحدي ليس في تفكيك القبيلة ، بل في تحويل طاقتها التضامنية إلى قوة مدنية منتجة للدولة ، تُسهم في التنمية والتمثيل السياسي ، دون أن تنغلق على ذاتها .
هكذا يكشف المنظور الأنثروبولوجي أن قبائل شمال الأردن ليست بقايا ماضٍ ، بل بنية تنبض بالحياة ، تتغير وتتفاعل ، إنها نصّ مفتوح بين التاريخ والحداثة ، بين العصبية والدولة ، بين الذاكرة والواقع ، وفهمها – بعيدًا عن التبسيط أو التمجيد – شرط لفهم الأردن نفسه في حركته بين الجغرافيا والسياسة والإنسان .
في ختام هذا الطرح ، لعلّ الأهم ليس أن نصل إلى حكمٍ نهائي حول القبيلة في شمال المملكة الأردنية الهاشمية ، لكن أن نُبقي باب السؤال مفتوحاً ، فالقبيلة بما تحمله من ذاكرة ونَسَب وتحالفات وقيم ، ليست معطىً ساكناً يمكن وضعه في إطارٍ مغلق ، بل كائن اجتماعي يتشكّل مع كل جيل جديد ، ويعيد تعريف ذاته كلما تبدّلت شروط السياسة والاقتصاد والثقافة .
قد يكون هذا المقال خطوة أولى في قراءةٍ أوسع ، تتناول تفاصيل أكثر عمقًا في البنية الاجتماعية ، وتفكك العلاقة بين الدولة والقبيلة ، بين العرف والقانون ، بين السردية الشفوية والمقاربة العلمية ، ومن هنا يمكن أن يكون الحديث القادم أكثر تخصيصاً : قراءة في نموذج عشائري بعينه ، أو في تحوّل محدد ، أو في سردية محلية تحتاج إلى إعادة تأمل .
إنها دعوة لمواصلة التفكير وعدم إغلاقه ؛ والانتقال من الوصف إلى التحليل الأعمق ، في منشورٍ قادم يستكمل ما بدأناه هنا ، بإذن الله ..

( عماد عواودة ، ابو حازم
الثلاثاء 17 فبراير 2026 ، قميم ، الاردن )