
لم يكن القرار صاخبًا، بل وُلد في صمتٍ ثقيل، لكن كل شي .كان يعرفه كأن الهواء نفسه عرفه قبل أن يُقال
قبل أيام قليلة، كانت الأم تجلس وحدها، تحدّق في ورقة رسمية ترتجف بين أصابعها. طلاقٌ غيابي بختم بارد، وتوقيع لا يحمل أي أثر لسنواتٍ قضتها معه. أعادت قراءتها مرارًا، لا لتفهمها، بل لتستوعب أن كل شيء انتهى. وفي يدها الأخرى كانت تقارير طبية أكثر قسوة، تؤكد أن السرطان وصل إلى مراحله الأخيرة. في تلك اللحظة لم تبكِ، كأن الدموع نفسها تخلّت عنها.
قالت بصوت خافت: “مش عايزاهم يتبهدلوا بعدي…”
كانت تنظر إلى السقف، لا إلى محمود. عيناها بدتا غائبتين، كأنها ترى مصيرًا لا يراه. لم تنطق بكلمة “موت”، لكن الكلمة كانت حاضرة في كل ما قالت وستقول.
محمود لم يرد. كان قلبه يدق بعنف، لكنه لم يجد كلمة يعترض بها. داخله كان ساحة صراع: هل هذه رحمة أم جريمة؟ لكن حين نظر إلى جسدها الهزيل، وصوتها الذي لم يعد يقوى على الحياة، ومع صورة الورقة المختومة التي لا تفارق ذهنه، بدأ شيء مظلم يتشكل داخله. فكرة مشوّهة تسللت إليه: ربما تكون النهاية أهون من البداية، ربما يريحهم الموت من كل ماهم فيه.
بدأوا بالأصغر.
طفلة الخامسة كانت نائمة، تحتضن دميتها، ووجهها هادئ كأن العالم لم يمسسها بسوء بعد. ارتجفت يد محمود، وتراجع للحظة، لكن صوت أمه جاء هامسًا: “دي أكتر واحدة هتتعب…”
اختنق صوته في صدره، هل يطيع أم ينهار.
ثم التي تليها، ذات الثماني سنوات، ثم التسع. في كل مرة كان يشعر أن شيئًا داخله ينكسر. خَدَرت مشاعره تمامًا، وأصبح كمن يسير داخل كابوس لا يستطيع الإفلات منه. كان يريد أن يصرخ، لكنه لم يقدر. فقط إحساس بانطفاء بطيء، كأن أنفاسه تُسحب منه ثانية بعد الأخرى. لم يقاوم الأطفال كثيرًا؛ كانوا يثقون، وهذا ما جعل كل شيء أكثر قسوة.
عندما جاء دور الكبار، لم يعد وحده.
الأم، رغم ضعفها، شاركت. لم تكن تقوى على الحركة، لكنها كانت حاضرة بنظراتها، بأنفاسها المتقطعة، بإصرار لم يهتز. قالت: “خلصهم بسرعة…” وكأنها تستعجل الرحمة، لا الموت. لم يكن ما بينهما اتفاقًا، بل سقوطًا مشتركًا؛ يداه تنفذ، وقلبها يبرر.
ثم بقيت هي.
الصمت بعد ذلك كان مختلفًا. الشقة لم تعد بيتًا، بل فراغًا ثقيلًا، ممتلئًا بشيء لا يُرى. نظر إليها محمود طويلًا، ولأول مرة شعر بالخوف منها… ومن نفسه. اقترب، ولم تقل شيئًا. فقط أغمضت عينيها، وكأنها تنتظر.
عندما انتهى، لم يشعر بشيء. لا راحة، ولا خلاص. الألم لم يتوقف، بل صار أعمق. جلس بجوارها، ويداه ملوثتان بما لا يمكن محوه. حاول أن ينهي نفسه كما بدأ كل شيء، لكن جسده خانه. لم يستطع.
تسلل إليه خوف حقيقي، ليس من الموت، بل من البقاء.
صعد إلى الطابق الثالث عشر، ووقف على الحافة. صفعه هواء البحر البارد، كأنه يوقظه من غيبوبة. نظر إلى الأسفل، ثم إلى يديه، وهمس: “أنا عملت إيه…”
خطوة واحدة فقط لتنتهي كل عذاباته.
لكن أيدٍ أخرى امتدت إليه، جذبته إلى الداخل، إلى الحياة التي لم يعد يعرف كيف يعيشها.
في تلك اللحظة، أراد أن يصرخ، أن يخرج كل ما بداخله، لكنه لم يستطع. ظل صامتًا، كأن صوته انطفأ إلى الأبد… وكأن كل ما بداخله صار بياضا كالحا كورقة بيضاء لم تخط فيها كلمة