خاص غرفة 19 أيام الشارقة التراثية 2026
إعداد: الكاتب مروان ناصح

ضمن فعاليات أيام الشارقة التراثية، التي تسعى إلى إبراز الذاكرة الثقافية العربية وصون مكوّناتها المادية واللامادية، شهد بيت النابودة -في المنطقة التراثية مساء الثلاثاء 10 نوفمبر- تنظيم ندوتين فكريتين متكاملتين، تناولتا موضوع التراث من زاويتين متلازمتين: زاوية الأسواق التاريخية بوصفها قلب المدن القديمة، وزاوية استدامة الحِرف باعتبارها روح الإبداع الشعبي. وقد شكّل هذان اللقاءان فضاءً للحوار بين الباحثين والممارسين، ونافذة للاطلاع على تجارب عربية متنوعة في حفظ التراث وتطويره.
ندوة الأسواق التاريخية
شارك في الندوة كل من:
- الدكتور مأمون عبد الكريم من سورية.
- الدكتور أحمد مولود الهلال من موريتانيا.
- الدكتور محمد ملوكي من المغرب.
وقد تناولت الندوة نماذج من الأسواق التاريخية في المشرق والمغرب وإفريقيا، بوصفها مراكز اقتصادية وثقافية واجتماعية أسهمت في تشكيل هوية المدن والمجتمعات.
-سوق الحميدية في دمشق

استهل الدكتور مأمون عبد الكريم الندوة بالحديث عن سوق الحميدية المسقوف في مدينة دمشق، أحد أشهر الأسواق التقليدية في العالم العربي.
تطرق إلى تاريخه الذي يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر في العهد العثماني، حين أعيد بناؤه في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، ومنه اشتق اسمه. كما أشار إلى بنيانه الحديدي المغطى، وطوله الذي يزيد على ستمائة متر، وامتداده من شارع النصر حتى الجامع الأموي. وأوضح أن السوق يضم مختلف أنواع البضائع والصناعات الحرفية، كالأقمشة، والجلود، والخياطة التقليدية، والعطور، والحلويات، إضافة إلى تفرعاته المتخصصة مثل سوق الصاغة، وسوق البزورية، وسوق العطارين. كما أبرز علاقته المكانية والروحية بالجامع الأموي، ومكانته السياحية والاقتصادية، ودوره في الحفاظ على الطابع التاريخي لمدينة دمشق رغم التحولات الحديثة.
-الأسواق القديمة في شمال وغرب إفريقيا
ثم تحدث الدكتور أحمد مولود الهلال عن الأسواق التقليدية في موريتانيا والمغرب ومالي والسودان، مبرزًا دورها التاريخي في ربط المناطق الصحراوية بالساحل الإفريقي. وأوضح أن هذه الأسواق كانت غالبًا موسمية، وتقام في نقاط استراتيجية على طرق القوافل، حيث تلتقي القبائل والتجار لتبادل السلع.
وأشار إلى اعتماد نظام المقايضة قبل انتشار النقود، ومن أشهر صوره مبادلة الملح المستخرج من مناجم الصحراء بالذهب القادم من مناطق السودان الغربي، وهي تجارة ازدهرت منذ القرون الوسطى. كما تناول تطور النشاط التجاري في المنطقة، وامتداد العلاقات مع الأوروبيين، وخاصة البرتغاليين في القرن الخامس عشر، عبر السواحل الأطلسية، مما أسهم في إدخال أنماط جديدة من التبادل التجاري. وقدّم المتحدث صورة شاملة عن الدور الاقتصادي والحضاري لهذه الأسواق في تشكيل تاريخ غرب إفريقيا.
-أسواق مدينة فاس التاريخية
واختتم الدكتور محمد ملوكي الندوة بحديثه عن أسواق مدينة فاس في المغرب، باعتبارها من أقدم وأكمل النماذج للأسواق الإسلامية التقليدية. وتناول مكوناتها الحرفية، مثل أسواق النحاسين، والدباغين، والصباغين، والعطارين، والخزافين، وغيرها، موضحًا أنها موزعة وفق نظام مهني دقيق يعود إلى العصور المرينية والمرابطية. كما أشار إلى أن هذه الأسواق لم تكن فضاءات تجارية فقط، بل كانت مراكز للحياة الثقافية والفنية، ومرتبطة بالمدارس والزوايا والجامعات، وعلى رأسها جامعة القرويين. وأكد أن أسواق فاس تشترك في خصائصها العمرانية والوظيفية مع أسواق المدن المغربية والإسلامية عامة، من حيث التنظيم والتخصص والتكامل.
-الأسواق… ذاكرة المدن وحاضنة التراث
خلصت الندوة إلى التأكيد على أن الأسواق التاريخية تمثل جزءًا أساسيًا من ذاكرة المدن العربية والإسلامية والإفريقية، لما تحمله من قيم اقتصادية واجتماعية وثقافية. فهي ليست مجرد أماكن للبيع والشراء، بل فضاءات للتواصل الإنساني، ونقل الخبرات، وحفظ الحرف التقليدية، وصون الهوية المحلية. وقد أتاحت هذه الندوة للحضور فرصة للتعرف إلى تجارب متنوعة، ولتبادل الرؤى حول أهمية الحفاظ على هذه الأسواق باعتبارها تراثًا حيًّا متجدّدًا.
ندوة “أصالة التراث واستدامة الحِرف“
شارك في هذه الندوة كل من:
- الأستاذ الإعلامي خالد بن ققه من الجزائر،
- الأستاذة المصممة ميارة بن عزي دين من تونس،
وأدارتها الأستاذة نوارة السلامي من معهد الشارقة للتراث.
وقد تناولت الندوة علاقة التراث بالحاضر، وسبل الحفاظ على الحرف التقليدية في ظل التحولات الثقافية والتكنولوجية المتسارعة.
-التراث… ركيزة الهوية
استُهلّت الندوة بكلمة للأستاذة نوارة السلامي، أكدت فيها أهمية التراث في حياة الشعوب، بوصفه أحد المرتكزات الأساسية للهوية الوطنية والثقافية. وأشارت إلى أن التراث لا يقتصر على الموروث المادي من مبانٍ وأدوات وحِرف، بل يشمل أيضًا القيم والعادات وأنماط العيش والمعارف الشعبية، التي تشكّل الذاكرة الجماعية للأمم، وتسهم في تعزيز الانتماء والاستمرارية الحضارية.
-إشكالية التراث في زمن العولمة
ثم تحدث الأستاذ خالد بن ققه عن التحديات التي تواجه التراث في العصر الحديث، في ظل القفزات المتسارعة في مجالات العلوم والفنون ووسائل الاتصال. وتوقف عند ضرورة إيجاد حالة من الانسجام بين التراث التقليدي ووعي الأجيال الجديدة، التي تنفتح على ثقافات متعددة عبر الإعلام الرقمي والمنصات العالمية. وطرح تساؤلًا جوهريًا حول جدوى الخطاب التراثي في زمن باتت فيه الهجرة حلمًا لكثير من الشباب العربي، وبات يحمل بعض المثقفين جنسيات مزدوجة، في ظل الإعجاب الواسع بالنماذج الغربية في التقدم العلمي والتقني.
وسأل:
أيّ تراث نريد أن نقدّمه لإنسان هذا العصر، وقد فقد بعضه أهميته المعرفية والوظيفية أمام مظاهر التطور الهائل في المجتمعات الأخرى؟
وانتهى إلى التأكيد على أن هذه المفارقة تمثل معضلة حقيقية، تتطلب إعادة قراءة التراث بروح نقدية واعية، والعمل على تقديمه بصيغ جديدة تجعله قادرًا على التفاعل مع متطلبات الحاضر.
-التصميم… جسر بين الماضي والحاضر
وجاءت مداخلة الأستاذة ميارة بن عزي دين لتقدّم نموذجًا عمليًا للتفاعل الخلّاق مع التراث، من خلال تجربتها في مجال التصميم. عرضت تجربتها في تصميم عدد من أدوات الزينة النسائية، بأسلوب مبتكر يمزج بين العناصر الحديثة وبعض مكونات التراث، بما يحافظ على روح الأصالة ويواكب في الوقت نفسه الذوق المعاصر. وأوضحت أن عملها يقوم على دراسة معمقة لهوية التراث المحلي، وتحليل رموزه وأشكاله وألوانه، قبل إدماجها في تصاميم جديدة تحترم خصوصيته الثقافية. وقدّمت نماذج من أعمالها، شملت أساور خرزية، وحُليًّا، وأقراطًا، مستوحاة من الزخارف التقليدية، إلى جانب حديثها عن توظيف العطور التراثية بطرق فنية، تمنح منتجاتها روائح ذات طابع شبه مستدام.
-استدامة الحرف… مسؤولية ثقافية واقتصادية
سلّطت الندوة الضوء على مفهوم استدامة الحِرف التقليدية، باعتبارها عنصرًا مهمًا في التنمية الثقافية والاقتصادية، ووسيلة للحفاظ على المهارات اليدوية المهددة بالاندثار. وأكد المتدخلون أن تطوير الحِرف لا يعني التخلي عن جذورها، بل تحديث أساليب عرضها وتسويقها، وربطها بالصناعات الإبداعية والسياحة الثقافية، بما يضمن لها الاستمرارية والانتشار.
نحو تراث حيّ ومتجدّد
وخلصت الندوة إلى ضرورة التعامل مع التراث بوصفه كيانًا حيًّا قابلًا للتجدد، لا مادة جامدة تُعرض في المتاحف فقط. كما دعت إلى تعزيز التعاون بين الباحثين والمصممين والإعلاميين والمؤسسات الثقافية، من أجل تقديم التراث في صورة معاصرة، تحافظ على أصالته وتمنحه في الوقت نفسه قدرة على البقاء في زمن التحولات السريعة.
-خاتمة
قدّمت هاتان الندوتان نموذجًا حيًّا للدور الثقافي الذي تضطلع به أيام الشارقة التراثية في ربط الماضي بالحاضر، وإعادة قراءة الموروث بروح علمية وإبداعية متوازنة. فمن الأسواق التي شكّلت عصب المدن القديمة، إلى الحِرف التي تعبّر عن ذائقة الشعوب ووجدانها، تتجلى أهمية التراث بوصفه مشروعًا حضاريًا مستمرًا، لا مجرد ذاكرة جامدة. وتبقى مثل هذه اللقاءات رافدًا مهمًا في ترسيخ الوعي بقيمة التراث، وتحفيز الأجيال الجديدة على التفاعل معه، وصونه، وتطويره، ليظل حاضرًا في الحياة اليومية، وممتدًا في المستقبل.