
محــمد بغــدادى
مدير تحرير مجلة روز اليوسف/ صباح الخير
أغرتني شمس الشتاء الهاربة من السحب الرمادية.. فخرجت للشرفة اتصفح الجرائد الالكترونية.. الصفحات تملأ سطح الشاشة.. لا أحب الصحف الافتراضية.. للجريدة الورقية طعم آخر.. الساعة تقترب من التاسعة.. إغراء جديد للخروج.. وقضاء نصف ساعة مع فيروز.. موعدها الصباحي على موجات إذاعة الأغاني.. انطلقت فيروز تغنى.. فرغت من شراء الجرائد ومازالت تغنى.. التليفزيون قمع الراديو المنزلى.. لا داعي للعودة قبل سماعها حتى النهاية.. على حافة أرض فضاء مشمسة وقفت استمتع بما تبقى من أغنيات جارة القمر.. أى سحر وجمال وعذوبة فى صوت هذه السيدة.. “زورونى كل سنة مرة” كانت أخر الأغنيات.. امتد بصري فى الأفق البعيد وتذكرت سنوات مضت.
***
شمس مشرقة في بداية خريف جميل.. أغرتني أن أتسلل من الخندق الذى اختزلَّ حياتى كلها فى جوفه.. كأنه حوت يونس فى بحر الظلمات.. ارتقيت درجات الخندق التمس الدفء.. على حافة بحر الرمال جلست على شكاير الرمل التي تحيط بالمدخل.. منتظرا جريدة الأهرام التى يحملها جندي (المراسلة) لقائد الكتيبة.. استوقفه دائما للحظات.. أقرأ أهم العناوين فى الصفحة الأولى والأخيرة.. الخبر الرئيسي عند “كمال الملاخ”: ” فيروز تغني لأول مرة فى مصر.. أربع حفلات لفيروز أيام: 27 و28 و29 و30 أكتوبر 1976″.. التخطيط للحصول على إجازة أمر يحتاج لمعجزة.. فالفرقة تستعد لمشروع تدريبي كبير.. و كنت فى ذالك الوقت (قائد سرية فى كتيبة استطلاع مدفعية قيادة الفرقة السابعة على القناة).. زاد إصراري على متابعة أخبار فيروز.. فَشَلتْ كل المحاولات للحصول على إجازة.. الأخبار تقول نفذت تذاكر الحفلات قبل أن تبدأ.. بعضها بيع فى السوق السوداء.. فيروز تجري (بروفات) وتشدوا لمصر بأغنية جديدة: “مصرُ عادتْ شمسُك الذهبُ.. تحملُ الأرضَ وتَغترِبُ.. كَتَبَ النيلُ على شطِّهِ قصصاً بالحبِ تلتهبُ”.. وستغني للبنان فى محنة الحرب الأهلية التى بلغت ذروتها آنذاك: “بحبك يا لبنان يا وطنى بحبك”.. و لسيد درويش ستغني بتوزيع جديد: “شط إسكندرية، الحلوة دى قامت تعجن فى الفجرية، خفيف الروح، و زوروني كل سنة مرة”.. حضور حفل لفيروز حلم جيل السبعينيات.. وكلما اقترب موعد الحفل يضيق الخندق أكثر.. نافذته الوحيدة إذا فتحتها تطل عليك شكاير الرمل.. نحن تحت الأرض.. أحمل ألواني وفرشاتي وأقلامي أينما ذهبت.. رسمت فيروز على لوحة وثبتها بعناية خلف ضلفتى النافذة .. دعوت كل رفاق السلاح لخندقي وأقمت احتفالا لافتتاح “نافذة فيروز” على مختارات من أغانى فيروز مسجلة على شرائط كاست لا تفارقني.. وكانت ألحان سيد درويش مسك الختام.. رفعنا الصوت لأعلى درجة: “زورونى كل سنة مرة حرام تنسونى بالمرة..”. تجمع ضباط وجنود الكتيبة على نغمات سيد درويش وصوت فيروز.. جاءت الأغنية على وجيعة غُربة الصحراء فى الدفاع عن الوطن.. انتهت الأغنية فطلب الجنود إعادتها.. فانطلق صوت فيروز مرة أخرى “زورونى كل سنة مرة…” فتمايلوا على نغماتها بشجن وبكى البعض.. ليل الصحراء ساحر.. وصوت فيروز زاده جلالا.. ما زال لحن سيد درويش قادر على إثارة الدهشة.. وإشاعة البهجة والشجن.. أحست فيروز هي و(الرحابنة) بعظمة سيد درويش.. فأعطوا لأغنياته مذاقا خاصا.. خلطة سحرية من المصرية الخالصة.. موسيقى سيد درويش العبقرية.. وكلمات يونس القاضي البسيطة المعبرة..
***
مازلتُ أتذكر حتى الآن.. بعض الجنود الذين طلبوا أن أكتب لهم كلمات الأغنية.. فوجدتها فرصة لأحكي لهم عن سيد درويش ويونس القاضي.. وكان لهذه الأغنية حكاية:
أغنية “زورونى كل سنة مرة” كتبها الشاعر محمد يونس القاضي (1888 – 1968) منذ اكثر من مائة عام.. ويحكى أن يونس القاضي مرض مرضاً شديداً.. وخلال مرضه زاره كل أصدقائه المقربين.. وكانت أخته فى قطيعة معه بسبب خلافات حول الميراث وصلت للمحاكم.. ولما عَرِفت بمرضه زارته بالمستشفى فتصالحا.. وتعانقا وبكت وبكى.. وبسبب هذه الزيارة أنتهت الخلافات.. فكتب يونس القاضى هذه الأغنية متأثرا بهذا الموقف:
“زورونى كل سنة مرة حرام/ تنسونى بالمرة/ أنا عملت إيه فيكم/ تشاكونى واشاكيكم/ أنا اللى طول العمر بداديكم/ حرام تنسونى بالمرة/ ياعينى على مالوش حد/ طول عمره يقاسى الوجد/ وتجرى دمعته على الخد/ مسكين حاله بالمره… ألخ”
وتلقفها صديقة سيد درويش فلحنها على الفور.. وغناها حامد مرسي لأول مرة عام 1917.. ثم سجلها سيد درويش بصوته.. ثم غناها: صباح فخرى وإيمان البحر درويش وحنان ماضي.. وغنتها فيروز.. وأن يعيش هذا اللحن وتعيش هذه الكلمات كل هذه السنين ونظل نستقبله بهذا الشغف.. ويثير فينا هذه المشاعر والوجد والشجن.. لا شك أنهم مبدعين صادقين.. ولا أتخيل مطربي المهرجانات ينتسبون إلى شجرة الفن المصري المباركة التي جذورها هؤلاء العظماء.. لقد حكى لنا زياد رحباني فى لقاء تليفزيونى أنه كان فى أحد الاستوديوهات الألمانية يقوم بعمل (مكساج لأغنيات فيروز عام 2000.. وبالصدفة استمع ملحن ألماني كبير للحن زورونى كل سنة مرة.. فسأل مهندس الصوت هل يمكنني الدخول لأسمع بوضوح.. وبعد سماعه للحن سأل مَنْ الذي ألف هذه الموسيقى البديعة المتطورة.. فقال له زياد: “ألفه ملحن مصري أسمه سيد درويش مات عام 1923”.. عظيمة يا مصر.