– اعتزلتُ الكِتابة.
وقفتُ أتأمَّلُ المقعدَ الأسمنتيَّ على جانبِ الطريق، حيث اعتدتُ أن أراه ممسكًا بدفترِ أوراقِه ويكتبُ في شغفٍ، حتى إنَّه لا يشعرُ بما يدورُ حوله، وكأنَّه يعيشُ على ظهرِ جزيرةٍ منعزلة، لم أفهمْ أبدًا سببَ حرصِه أن يدفعَ إليَّ بمسودةِ كلِّ قصةٍ يخطُّها بقلمه في أناةٍ وصبر؛ تدهشني الكلماتُ أو الجُملُ التي شطبَ عليها وأحلَّ مكانَها أُخرى تُصيبُ المعنى بدقَّةٍ وتحملُ دلالةً أعمق.
أشعرُ مع كلِّ حرفٍ أو كلمةٍ مشطوبٍ عليها، وقد وُضِعَت فوقها الكلماتُ البديلة، بأناملِ نَحَّاتٍ يَصقُلُ تمثالًا من مادَّةٍ صلبة، ثم أُعيدُ إليه المسودةَ التي فرغتُ من دراستِها بعد يومٍ أو يومين.
أرى في عينيه تلك اللَّمعةَ الطفوليةَ وأنا أذكرُ المواضعَ التي أعجبتني من العمل وبراعتَه في اختيار الألفاظِ الدقيقة، ثم ألحظُ البريقَ يَخبُو وأنا أُعقِّبُ بالنقد على المواضعِ التي لم تَرُقْ لي. يكتفي في كلِّ مرةٍ بالاستماعِ في صمت، ثم يُغمِضُ عينيه وهو يَضُمُّ دفترَ قصصِه إلى صدرِه.
أذكرُ فرحتَه البِكرَ كلما وقعَ على فكرةٍ جديدة، ثم يعمدُ أن يتركَها وقتًا لتَختمُرَ داخلَ رأسِه المُثقَل، فإذا ما توجَّهتُ إليه بالسؤال أجابَ بعفوية:
– الفِكرةُ كالجنين، لا تخرجُ من الرَّحِمِ إلَّا لِموعدِها.
كم من مرَّةٍ قرأَ في عينيَّ السؤالَ المُوجِع، خاصَّةً مع مرورِ الزمن وانحناءِ الظَّهر واعتلالِ البدن:
«بِماذا عادَ عليكَ كلُّ هذا الشقاء؟»
يتجاهلُ نظراتي المُشفِقة، ويعمدُ إلى الجرائدِ الورقيةِ المُصفَرَّة مُخرجًا لها من حقيبتِه المُتهالِكة، ليكشفَ لي عن قصصِه المنشورةِ في كبرياتِ الصُّحف، ويُطيلُ الحديثَ، مع تقدُّمِه في العُمر، على نقيضِ ما كان عليه الحالُ في شبابه، عمَّا وصفَه بفتوحاته الأدبية؛ إذ قصدَ إلى مبنى الأهرام العريق، وأصرَّ على مقابلةِ مُحرِّرِ ملحقِ الجمعة، حيث تركَ له مجموعةً من أعمالِه في نهايةِ المقابلة التي لم تستغرقْ طويلًا في مكتبِه بالدورِ الرابع قائلًا:
– يكفي أن تقرأَ قصةً واحدة.
لم تمضِ على المقابلة سوى أسبوع، ووجدَ إحدى قصصِه تتصدَّرُ الملحق. يهزُّ رأسَه في عنجهيةِ أديب:
– زيارةٌ واحدةٌ كانت تكفي. لم أعتد أن أتحدَّثَ أو أُفضي في الحكي؛ إذ كنتُ خجولًا بطبعي، أتركُ أعمالي لرؤساءِ تحريرِ الصُّحف الأدبية ثم أُغادر، وأنا على يقينٍ أن المادَّةَ المكتوبةَ لن تدعَ أمامهم إلَّا خيارًا واحدًا.
ثم ينفرجُ ثغرُه عن ابتسامةٍ تُضيءُ أسنانَه التي نخرَ فيها السُّوس، وهو يُعيدُ القصةَ نفسها عن لقائه برئيسِ تحريرِ جريدةِ القاهرة، محمودِ السيِّد؛ إذ طلبَ له شايًا، وعندما حلَّ ضيفٌ ثانٍ فوجئَ أن المشروبَ الذي قُدِّمَ إلى الضيفِ الآخر بالفتلة، عندها هبَّ من مكانِه في غضبٍ مكتوم وغادر، إلَّا أن الجريدةَ نشرتْ في الأسبوعِ ذاته قصتين، التفتَ إليَّ ومطَّ شفتيه:
– نسيتُ الوريقاتِ التي تحملُ القصصَ على مكتبِه.
ثم كان اعتراضُه الشديدُ على مُحرِّرِ ملحقِ الأهرام، الذي توطَّدتْ علاقتُه به، عندما فوجئَ بنشرِه قصصًا قصيرةً جدًّا من إنتاجِه ضمن الملحق:
– لم يُسبَقْ إلى مثلِ هذا الفعلِ أحدٌ قبلك.
شعرتُ بالغُصَّةِ تخنقُ حلقَه، والحزنُ يكادُ يتساقطُ من أنفاسِه الواهنة، عندما بدأ الحديثَ عن الجوائز، وكيف أنَّها تمنَّعتْ عليه، وأنا أنظرُ إليه في غَرَب: «كيف يتركُ الأمرُ مثلَ هذا الأثرِ الصارخِ في نفسِه؟»
رفعَ إليَّ رأسَه وقال:
– تملَّكني إحساسٌ، وأنا أكتبُ قصصَ المجموعةِ تلك، أنني وصلتُ إلى قمَّةِ إبداعي، ولم يُساورني شكٌّ قطُّ أنني سأفوزُ بالجائزةِ المرموقة في دنيا الأدب؛ لذا كانت صدمتي عظيمة، ولم يهدأْ لي بالٌ حتى حصلتُ على المجموعةِ الفائزة، وعندما قرأتُها ازدادَ غضبي.
صمتَ ليبتلعَ ريقَه، ثم عاود بالقول:
– ألَا تذكرُ أنني دفعتُ إليكَ بتلك المجموعة، وطلبتُ منك كتابةَ دراسةٍ نقديةٍ بينها وبين مجموعتي؟
استمعتُ إليه دون أن أُعقِّب، بدأ يُطيلُ الحديثَ ويتجاهلُ الكتابة، حتى إنني أصبحتُ أتجنَّبُ المرورَ عليه إلَّا بعضَ مرَّةٍ على فتراتٍ متباعدة، ثم رحلتُ عن البلدة وطالَ سفري سنوات، عدتُ لأجدَ المقعدَ قد تآكلَ بفعلِ الزمن.
أغمضتُ عينيَّ أسترجعُ ذكرياتي، وأنا أُردِّدُ الكلماتِ من ورائِه، وأُخرجُ القصاصاتِ من الحقيبةِ السوداء وأُلقي بها في أتونِ الرِّيح، فوجئتُ بصوتٍ يأتي من خلفي:
– أما زلتَ هنا يا أستاذ؟ لقد افتقدناك كثيرًا، أوحشتْني كتاباتُك.
اكتفيتُ بهزِّ رأسي في صمت، وابتسامةٍ موجوعةٍ تُهفهِفُ فوق شفتيَّ، وأنا أُشيرُ إلى الظلالِ على المقعدِ الخاوي:
– الأُستاذُ اعتزلَ عالمَنا.
**
Amr Zein