كتاب "ظلّ النّعناع" للأديبة إخلاص فرنسيس الصّادر عن منشورات دار سائر المشرق،

فاروق غانم خداج
تقدّم مجموعة «ظلّ النعناع» للكاتبة إخلاص فرنسيس تجربة سردية تتجاوز القالب التقليدي للقصة القصيرة، متجهة نحو كتابة تقوم على التكثيف والومضة، حيث تتقاطع الحكاية مع التأمل، ويتحوّل النص إلى مساحة لالتقاط أثر التجربة أكثر من إعادة بنائها سرديًا. هنا، لا حضور لتسلسل زمني صارم، بل تتقدّم صور شعورية مكثفة، تترك للقارئ مهمة ملء الفراغات واستكمال المعنى.
ويندرج هذا التوجّه ضمن سياق القصة القصيرة العربية المعاصرة، التي تميل إلى تفكيك الحكاية لصالح اللحظة الداخلية، حيث تصبح الذاكرة مرآة لهوية متحوّلة، ويتقدّم الإحساس على الحدث.
من هذا المنطلق، تتشكّل بنية المجموعة على أساس تنوّع النصوص واستقلالها، مع خيط داخلي غير مرئي يربط بينها، يتمثّل في انشغالها بالإنسان في علاقته بذاته وذاكرته ومحيطه. فالموضوعات—الحنين، الغربة، الفقد، البحث عن المعنى—تتكرر بأشكال متجددة، مانحة الكتاب وحدة شعورية دون أن يقع في التكرار المباشر.
يحمل عنوان «ظلّ النعناع» دلالة رمزية لافتة، تلتقي فيها رائحة النعناع، بما تحمله من أثر حسيّ، مع فكرة الظل بوصفه حضورًا غائبًا. ومن هذا التلاقي، يتشكّل مفتاح قرائي لنصوص تنشغل بالأثر النفسي أكثر من الحدث، وبما يبقى في الذاكرة أكثر مما يحدث في الواقع.
وبناءً على ذلك، تميل اللغة إلى شعرية مكثّفة، تبتعد عن الشرح لصالح الإيحاء، وتحوّل القراءة إلى فعل تأملي يتوقف عند الصورة بقدر ما يتتبّع المعنى. ومن هنا، يبرز البعد الرمزي بوصفه امتدادًا طبيعيًا لهذا الخيار، حيث تتحول عناصر مثل الضوء والبحر والهواء إلى مرايا للحالة الداخلية، مندمجة في نسيج يفتح النصوص على قراءات متعددة.
ثمّ، تقود هذه الشعرية إلى طريقة خاصة في بناء الشخصيات، التي لا تظهر بوصفها كائنات مكتملة المسار، بل كحالات إنسانية عابرة، تلتقط لحظة شعورية أكثر مما تروي حكاية متكاملة. وهذا ما ينسجم مع اتجاهات السرد المعاصر، التي ترى في “اللحظة” بؤرة دلالية كافية.
أما الزمن، فيتحرّك داخل النصوص بطريقة غير خطيّة، حيث تتداخل الذاكرة مع الحاضر في حركة دائرية هادئة. لا يعود الماضي مرحلة منتهية، بل يظلّ حاضرًا في الوعي، يعيد تشكيل التجربة ويمنحها بعدًا تأمليًا يتجاوز التسلسل التقليدي.
مثالًا على ذلك، تستدعي بعض النصوص لحظة عابرة مرتبطة برائحة أو مكان، لتتحوّل هذه اللحظة إلى مساحة كاملة من التأمل. في مثل هذه المقاطع، لا يكون الحدث هو المحور، بل الإحساس الناتج عنه، حيث يتوسّع التفصيل الصغير ليصبح مدخلًا إلى العالم الداخلي، في كتابة تُشبه ومضة تتّسع دلالتها بعد انطفائها.
كذلك، يمكن ملاحظة حساسية خاصة في مقاربة الذاكرة، حيث تلعب الحواس—وخاصة الروائح—دورًا أساسيًا في استدعاء التجربة. هذه المعالجة تضفي على النصوص بعدًا حسيًا رقيقًا، يوازن بين الداخلي والتأملي، وبين الفردي والإنساني العام، دون إفراط في التصريح.
هذا التوازن هو ما يمنح المجموعة طابعها الخاص، ويجعلها مفتوحة على تجارب القرّاء، بحيث يجد كل قارئ فيها انعكاسًا جزئيًا لخبرته. فالنصوص لا تُغلق على معنى واحد، بل تظلّ قابلة لإعادة القراءة والتأويل.
ختامًا، لا يقدّم «ظلّ النعناع» مجموعة قصصية فحسب، بل تجربة كتابة تراهن على الومضة لالتقاط هشاشة الإنسان في زمن تتكاثر فيه أشكال الغربة. وفي سياق عربي معاصر يعيد اكتشاف الذاكرة بوصفها ملاذًا ومعنى، يرسّخ هذا العمل حضور إخلاص فرنسيس كصوت أدبي يمزج بين الشعرية والدقة، تاركًا في نفس القارئ أثرًا يشبه العنوان نفسه: ظلًا خفيفًا، لكنه باقٍ.
*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني