
الدكتور سعيد عيسى
في أغنية «ثورة الشك»، التي كتبها الشاعر السعودي الأمير عبد الله الفيصل، ولحّنها رياض السنباطي، وغنّتها أم كلثوم عام 1961، لا نكون أمام أغنية حبّ بالمعنى التقليدي، بل أمام نصّ عاطفي يلتقط لحظة تاريخية واجتماعية تتصدّع فيها اليقينات، يقين الحب، ويقين المؤسسات، ويقين المستقبل. الحبّ هنا ليس وعداً بالاستقرار، بل تجربة فردية قلِقة تعيش داخل مدن تتغيّر بسرعة، وطبقات وسطى تصعد، ومجال سمعي–موسيقي جديد تصنعه الإذاعة والحفلات الجماهيرية.
منذ المطلع:
«ثورة الشك حطّمت كياني
وحطّمت آمالي في حبّك»
تأتي كلمة «ثورة» محمّلة بدلالاتها خارج المعجم العاطفي البسيط. في بداية الستينيات، كانت «الثورة» الكلمة المفتاح في الخطاب العام، ثورة 1952 في مصر، الإصلاح الزراعي، تأميم قناة السويس، الجمهورية العربية المتحدة، ووعود العدالة الاجتماعية وصعود «أبناء الفلاحين والعمّال».
هذه الكلمة التي استُخدمت لتسمية انقلاب اجتماعي–سياسي، تُنزَّل هنا على حالة عاطفية داخلية. كأنّ الذات العاشقة تعيش ما تعيشه مجتمعاتها، نظام قديم يتهدّم (نظام الثقة واليقين في الحب)، وقوّة جديدة تقتحم المشهد (الشك)، من دون ضمان حقيقي لنظام بديل أكثر استقراراً. بهذا المعنى، «ثورة الشك» ليست مجرد استعارة كبرى، بل عنوان لتجربة نفسية تتجاوب مع مناخ تاريخي معيّن، زمن تُطرَح فيه الأسئلة على كل شيء، من سلطة الحاكم إلى سلطة الأب إلى سلطة العاطفة نفسها.
في المجتمعات العربية التقليدية، يمكن التمييز بين مستويين، الحبّ كخطاب أدبي: قصائد العذريين، والغزل، والصوفيين، المليئة باللوعة والحرمان؛ والحبّ كعلاقة اجتماعية منظَّمة داخل الزواج الذي ترتّبه العائلة، حيث تُفترض الطمأنينة ووضوح الأدوار، وتؤمّن العائلة الممتدّة مظلّة الحماية والشرعية.
مع منتصف القرن العشرين، ومع توسّع المدن العربية وصعود الطبقات الوسطى المتعلّمة، بدأت تتغيّر شروط تكوّن العلاقات العاطفية. انتشار التعليم المختلط نسبياً، ووجود النساء في الجامعات والوظائف، وظهور فضاءات عامّة جديدة أتاح إمكان اللقاء خارج سيناريو «الخطبة العائلية» المغلقة. في هذا المناخ، نشأ حبّ فردي يعتمد على الاختيار واللقاء المباشر، أكثر ممّا يعتمد على تدخّل العائلة. لكنّ هذا الحبّ الجديد ما يزال يعيش داخل مجتمع لم يُعِد بعدُ تنظيم قواعده بالكامل، فالرقابة العائلية قائمة، ومعايير الشرف قوية، ومؤسسات حماية الاختيار الفردي لم تكتمل بعد. هنا يظهر الحب كمنطقة توتّر، خرج من شرنقة الزواج المرتَّب، لكنه لم يجد بعدُ إطاراً مستقراً يحتضنه.
ضمن هذا الأفق يمكن قراءة بيت مثل:
«وخايف من حبّك
ومن قربك ومن بُعدك»
الخوف من القرب ليس شعوراً نفسياً مجرّداً؛ إنّه أيضاً خوف من التورّط في علاقة لا يضمن المجتمع مآلها، ولا تملك الذات أدوات حمايتها. القرب يعني افتضاحاً، وتورّطاً، وامتحاناً للأعراف. أمّا الخوف من البُعد فهو خوف من الفقد في عالم لم يَعُد فيه سهلاً أن «يأتي البديل» عبر ترتيبات الأسرة. بهذا المعنى، تتكلّم الأغنية بلسان جيل جديد من العشّاق، يعيش بين عالمين، عالم عائلي تقليدي ما زال فاعلاً، وعالم مديني حداثي لم تتبلور فيه بعدُ ثقافة عاطفية مستقرة.
أم كلثوم في هذه المرحلة ليست مطربة نخبة أرستقراطية كما في بداياتها، ولا مطربة «شارع» شعبية فحسب؛ بل أيقونة طبقة وسطى عربية في طور التشكل. هذه الطبقة التي صعدت مع الدولة الوطنية بعد الاستقلال، وجدت في صوتها وصوت السنباطي نوعاً من «الموسيقى الرسمية» لمشاعرها، وقورة، فخمة، طويلة النفس، تتجاوب مع صورتها عن نفسها بوصفها طبقة متعلّمة، حديثة نسبياً، لكنها ما تزال مشدودة إلى التقاليد.
اقتصادياً، تمتّعت هذه الطبقة بدرجة من الأمان النسبي، لكن هذا الاستقرار المادّي لم يقابله استقرار مماثل على المستوى العاطفي؛ بل على العكس، حرّرت المدينة والتعليم والعمل والفرد من بعض قيود الماضي، لكنها وضعته أمام مسؤولية أكبر عن خياراته. في هذا السياق، يمكن فهم عبارة:
«أنا في انتظارك مليّت
وشكّي عليك طال»
فالانتظار هنا ليس زمن الحبيب البعيد، بل زمن الحبيب القريب جغرافياً، المعلّق اللقاء به على شبكة معقّدة من الأعراف والضغوط. العاشق يملك وقتاً ينتظر فيه، ووسائط تعمّق حالة الترقّب، لكن هذا الوقت لا يُفضي إلى لقاء حاسم، بل يتمدّد في علاقات مؤجَّلة.
هكذا يصبح الانتظار علامة على تآكل الوعد، وعد الحب كما وعد السياسة، كلاهما طويل الأمد، وكلاهما مؤجَّل. ومع التمدّن، تغيّرت العلاقة بالمكان جذرياً. المسافة لم تعد جغرافية فقط، بل منظومة من الأدوار العائلية والشكوك ومحدودية الحرية. والقرب لم يعد كافياً لبناء الثقة. في هذا الفضاء، تتكاثر إمكانات اللقاء والارتياب معاً، ويغدو النظر نفسه فعلاً إشكالياً:
«حاولت أكذّب عينيّا
وأقول معقول؟»
العين هنا أداة مراقبة في فضاء عام جديد، يولّد شكّاً أكثر كلّما اتّسعت الرؤية.
العلاقة بين الحبّ والزمن في «ثورة الشك» تتجاوب مع مزاج مرحلة تاريخية تقطع وعوداً كبرى لكنها مؤجَّلة. كثير من أغاني تلك الحقبة تتحدّث عن الغد والأمل، بينما تأتي هذه الأغنية لتكشف الوجه الآخر، غدٌ لا يأتي، وزمن يتباطأ فيتحوّل إلى عبء. هكذا يصبح الانتظار جزءاً من خبرة جيل يعيش على إيقاع المشروع المؤجَّل، السياسي والعاطفي معاً.
عبد الله الفيصل، كشاعر من أسرة حاكمة، يكتب لمطربة هي رمز لثقافة مدينية حداثية، في تعاون يختصر تشكّل فضاء ثقافي عربي عابر للحدود. الحبّ هنا ليس نعمة مطمئنة، بل قلق وجودي، بلا حلّ تصالحي، وبلا يقين نهائي. هو تعلّق بهشاشة العلاقة، يعكس مأزق الفرد في مجتمعات انتقالية.
لحن رياض السنباطي لا يمكن فصله عن طقس الاستماع الجماعي الذي جعل من حفلات أم كلثوم موعداً شهرياً ثابتاً. تجربة فردية تُبثّ لملايين، فتحوّل الوجع الشخصي إلى اعتراف جمعي مؤجَّل. اللغة الموسيقية تمثّل رفاهية طبقية في التذوّق، فناً «كبيراً» ينسجم مع ذهنية طبقة تبحث عن تفوّق رمزي، من دون قطيعة مع التراث. الجمل الطويلة والتكرار المتأنّي يخلقان إحساساً بثقل الزمن والدوران داخل حالة واحدة، من دون خلاص.
من العناصر المفصلية أنّ النص يُنطق بصوت امرأة ذات سلطة رمزية هائلة. حين تقول أم كلثوم كلمات الخوف والشك، يحدث انقلاب هادئ في الأدوار، يسمح للنساء والرجال معاً بسماع هشاشتهم، من دون وصم. هذا العبور الجندري يجعل من الأغنية مساحة مشتركة تتجاوز الفوارق التقليدية.
ومع انتشار الأغنية خارج القاهرة، صارت جزءاً من ذاكرة عاطفية عربية واسعة. في الخليج، وفي بيروت ودمشق، وجدت الطبقات الوسطى فيها مرآة لمأزقها، حرية أوسع، لكن بثمن نفسي أعلى. هكذا تغدو «ثورة الشك» خريطة عاطفية عابرة للمدن، تعبّر عن قلق جيل كامل ينتقل بين قرون وأنظمة.
في ضوء هذه التحوّلات، يمكن رؤية «ثورة الشك» بوصفها وثيقة حسّاسة عن شعور الإنسان العربي في زمن انكسار اليقينات. العائلة لم تعد ضامناً مطلقاً، والدولة لم تمنح الأمان الكامل، والمدينة فتحت الحرية وكشفت الهشاشة، والطبقة الوسطى صعدت من دون راحة نفسية موازية. في هذا السياق، يقدّم النص واللحن والأداء حبّاً بلا ضمانات، ويتركنا في قلب السؤال: كيف نستمرّ في الحبّ ونحن نعرف أنّ الشكّ عنصر بنيوي فيه؟ قوّة الأغنية وخلودها ينبعان من أنّها لا تقدّم مخرجاً سهلاً، بل تعلّمنا احتمال هشاشة ما نحبّ، والاعتراف بأنّ الحبّ، مثل المجتمع والدولة، مشروع جميل، لكنّه أبداً ليس مضموناً.