
عادل النعمي (ناقد وكاتب)
بدون الكبرياء الشاعر لا يقول شيئاً… هو مجرد كلام عادي يحمل وزن وقافية، أو حتى يذوب في لغة الشارع، ولكن صاحبه يتباهى بأنه قاله بالفصحى.
السؤال المهم: ماذا أقصد بالكبرياء؟ الكبرياء هو شعور الشاعر بالتعالي وبأن ما يقوله من الآراء، وما يشاركه من عواطف لا مثيل لها، وكأنها من الأمور البديهية، وإلا كيف سيقنعني الشاعر بعاطفة أو بأمر وهو لا يشعر به حقاً، وليس لديه الحجة الكافية في فرضه!
الكبرياء هو الشرط الجمالي الذي يحوّل التجربة الإنسانية من عامة إلى خاصة، ومن حالة وجدانية إلى رؤية ذاتية، ومن انطباع إلى سلطة رمزية.
وما يؤكد فرضيتي أن الشعر من دون كبرياء لا يخلق المسافة الضرورية بين الذات وموضوعها، الشعر يصبح مجرد نقل كلام ليس إلا، فالذات لابد أن تتداخل مع الموضوع، وبصيغة أكثر سهولة أن يكون الشاعر يظهر ذاته في الموضوع وليس يكون مجرد ناقل له.
بدون الكبرياء يفشل الشاعر في بناء (رؤيوية) وهي قدرت الذات على تضخيم إحساسها بالعالم بحيث ترى ما وراء الوقائع: الرموز، الدوافع، البنى العاطفية، والاحتمالات.
الشاعر أو المبدع الرؤيوي لا يكتفي بنقل مشهد أو شعور، بل يعيد تشكيله بطريقة تتيح تأويله ضمن أفق أوسع… هنا تتحول الذات إلى عدسة مكبّرة تجمع بين الحس والحدس، ومن ثم تَضمن للقصيدة ارتباطها بفكرة الاختلاف والامتياز، فالشعر ليس اعترافاً، بل إعادة ترتيب رمزي للعالم، وفق مزاج الشاعر…
دعنا ندخل في عوالم النفس قليلاً: الشاعر الذي لا يمتلك كبرياءه يفشل في إنتاج (الأنا الشعرية) إذ لا قيمة للبوح إذا لم يخلق نصاً يرى ذاته داخل التجربة لا مجاوراً لها؛ لأن الشعر لا يتأسس على نقل الانفعالات، بل على تأسيس علاقة قوة بين الذات والعالم، علاقة تتضمن قلباً للمعادلة: ليس الموضوع هو من يفرض شروطه على الشاعر، بل الشاعر هو من يعيد تشكيل الموضوع وفق هندسة داخلية تخييلية… ولهذا يترتب التفريق بين (الكبرياء الفني) الذي يرفع النص والغرور الشخصي الذي يرفع الشاعر ويُسقط النص.
هناك أمر مهم لا يجب اغفاله (الذاتية الشعرية) لا تُختزل في العاطفة، بل كذلك تُبنى سردياً عبر تشكيل موقع الذات داخل التجربة، وهنا تظهر المصطلحات الحديثة مثل السيادة العاطفية والاستعلاء الوجودي، فالمتحدث في القصيدة، ليس الشاعر الواقعي، بل (الأنا الشعرية) التي تتحرك خارج حدود صاحبها، وتفرض شروط اللعبة.
دعني اختزل كل الأفكار (في مثال) … الرجل فاحش الثراء، الوسيم، الناجح في حياته المالية، ولكنه فاشل في حيواته الاجتماعية والعاطفية، يدخل الحب من موقع المتفوق لا المتوسل، والمرأة في السردية لا تأتي بوصفها خلاصاً منه بل بوصفها جزءاً من تاريخه وتجربته، هذا النموذج موجود في الواقع، لكن أهميته في الشعر أنه يقلب قواعد العلاقة: الحب ليس طلباً، بل اختبار، والاختيار ليس هبة للآخر، بل تجربة يفرضها العاشق.
يقول الشاعر حذيفة العرجي.
قلبي وأعرفه لا تأمني خطره قبل التورط بي عدي إلى العشرة
قد لا أحب وقد أفنيك عاطفة لك القرار، ولا تستصغري كبره
حبي اضطراب، وأحلامي مقامرة ومن يغادرني لا أقتفي أثره
خافي النهايات مهما كنت واثقة من ابنها الفأس تلقى حتفها الشجرة
أقول ما قلت لا ثقلا عليك، ولا زهدا بحبك، لكن رحلتي وعرة
يغري الكثيرات أني لست منتظرا حبا لأحيا ولا نصرا لأنتصره
فإن عزمت، فلا تستعجلي سحبي كما ترين ببابي ألف منتظرة
في هذا المقطع الشعري الأبيات تشرح معانيها والشاعر ابتدع مساراً غير مألوف في تمثيل (الأنا) العاشقة.
فبدلاً من صورة العاشق الوديع، الذي يطلب الوصل ويتوسل القرب، يبني الشاعر ذاتاً محذرة، ذاتاً تعلن خطرها قبل أن تعلن حبها! هكذا تتكون (أنا (متعالية، ولكن واعية، هجينة بين الكبرياء والاعتراف، وبين الغواية والتحذير.
منذ البيت الأول الذات تعرف نفسها وتؤسس حدودها، وعلى من يقترب أن يحسب المخاطرة لا أن يتلقى الوعد بالسعادة في العلاقة.
إنه شكل من نرجسية الاختيار على الاختيار، فالشاعر لا يريد أن يُختار بوصفه حبيباً، بل بوصفه تجربة، وعليها أن تتحمل تبعات خيارها فهو مضطرب وإذا رحل لا تتألم من رحيله، ولا تفكر في الذهاب فهناك المزيد من العاشقات ينظرن عند باب رحيلها.
اخترت هذا المثال المتطرف لأبين أن الذات والكبرياء ليستا زخارف في القول، بل آليتان تُنتجان رؤية النص، فالأنا الشعرية تضع قواعد اللعبة، والسيادة العاطفية تُبنى تدريجياً عبر السرد، بينما الاستعلاء الوجودي يمنح القصيدة رؤيتها الخاصة.
يمكن ملاحظة هذا الكبرياء بوضوح في شعر المتنبي، فعندما يقول:
“أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمّم”
في هذا البيت الشهير نقف أمام بيان استعلاء وجودي، الكبرياء هنا يكمن في قلب المعايير؛ فالأصل أن الشاعر يطلب انتباه السامعين، لكن المتنبي يُحدث انقلاباً في معادلة التلقي: الأعمى هو من يبصر أدبه والأصم هو من يسمعه، فيتحول الشاعر من طالب اعتراف إلى مانح له! وهذا جوهر الكبرياء الشعري: أن يصبح الاعتراف لا شرطاً للتلقي بل نتيجة له، حتى في مدحه الذات عنده الحرك والمحور والغاية، لست أنا شاعراً فقط، بل أقدر.
الوظيفة الشعرية هنا ليست للمدح، بل تأسيس وجودي الذات كمركز للقوة والمعرفة.
مدح المتنبي في قصائده بالعموم يتحول إلى جدل وجودي: لماذا يولد الإنسان؟ كيف يواجه الزمن؟ ما معنى المجد والقوة والهزيمة؟ ولذلك يبدو المتنبي كأنه يستخدم الأمير كمسرح للتمثيل فلسفته عن القوة.
بالمقابل، يظهر أحمد شوقي نموذجًا مغايراً في الكبرياء الشعري، هو أعظم شاعر على وجه الأرض موهبةً بعد المتنبي ـ شرقا وغرباً ـ حتى على شكسبير نفسه، لكنه ظل أسير الوظيفة الشعرية، فخسر هذه المنزلة!
فأصبح شاعراً عادياً، كان يمارس شعرية أقرب إلى (التمثيل الرسمي) لدولة ناشئة… قصائد في افتتاح المدارس، وفي حفلات المسارح، وأناشيد للأطفال… هنا فقد الشعر شيئا من عدوانيته الداخلية، الشعر العظيم يخرج من احتكاك الذات بجراحها، وليس احتكاك الناس بالمنابر هنا أصبح الشعر مجرد موضوع ولا يعبر عن الذات.
أغلب شعر شوقي ـ الوظيفي ـ كلام رائع مزخرف بلاغيا يحمل وزن وقافية هزيل من الناحية النفسية… لأن الوجدان محكوم بأعجاب الآخر ـ وأكرر قولي ـ لا يعبر عن الذات.
في النقد النفسي من أساسيات الشعر (الذات المتوترة) التي تكتب ضد نفسها وضد العالم، شوقي كان منسجماً مع زمنه، غير ممزق داخله، جعل القصيدة جميلة لكنها باردة المعنى.
لقد فقد عظمته لأنه في المعنى الهيغلي انزلق من موقع السلطة إلى موقع التابع، من موضع السيادة إلى موضع العبودية بالتعبير الهيغلي ويمكن شرح الفكرة على النحو الآتي، يبين هيغل أن الذات لا تتكون إلا من خلال الصراع والاعتراف، فمن يتنازل عن صوته وعن قدرة التعبير عن ذاته لأجل الآخر يتحول من فاعل إلى تابع، من سيد إلى عبد وهكذا يفقد سلطته حتى على نصه.
سوف أوضح كيف سقط الكثير من شعر شوقي لأنه لم يكن ذاتياً به كبرياء وكذلك أصبح موضوعياً وفقد السلطة على النص لصالح أن يعترف به، يقول شوقي وقد فقد ذاته:
أخون إسماعيلَ في أبنائه ولقد وُلِدتُ ببابِ إسماعيلا
ولبستُ نعمتَهُ ونعمةَ بيتهِ فلبستُ جَزْلًا وارتديتُ جميلا
في هذه الأبيات نلاحظ خفضاً للنفس واستمداداً للقيمة من الممدوح، وهذا وفق قراءة هيغلية يمثل انتقالاً من مقام السيد إلى مقام العبد، فالنص قوي البناء لكنه بلا طاقة نفسية، بلا كبرياء، فيه قمة الاستلاب الوجودي (أنا صنيعة الآخر).
وغاب غياب الوجدان لصالح التمثيل كأنه يقول: “أنا لا أكتب ما أشعر به تجاه أبناء إسماعيل، بل أكتب ما يجب على (باب إسماعيل) أن يكتبه.”
هذا الانفصال بين الذات الكاتبة والذات الشاعرة هو ما يجعل شعره (هزيلاً من الناحية النفسية) كما وصفتَه، رغم ضخامته اللغوية… إنه مديح (مؤسسي) وليس احتكاكاً بالروح.
المؤلم لو فسرتها من الزاوية الهيغلية: “ الذات تتكون من خلال (الاعتراف) بأنها فاعل حر… لكن شوقي هنا يلغي تاريخه الشخصي المستقل ويجعل الباب (رمز السلطة) هو مكان الولادة.
هو لا يرى نفسه ككيان وُلد في سياق إنساني طبيعي، بل ككيان وُلد وظيفياً لخدمة هذا الباب! الأنا هنا ليست فاعلاً، بل هي أثر من آثار النعمة الإسماعيلية.
وفي موضع آخر يفقد أحد أهم ركائز قول الشعر وهي الذات المتوترة، وبذلك أصبح منسجما مع الموضوع ومتماهياً معه ليس له في صوت فهو مجرد ناقل بعكس المتنبي الذي يكتب (ضد العالم) وصراعه مع الموت والقدر ـ يقول شوقي:
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
أعلمت أشرف أو أجل من الذي يبني وينشئ أنفسًا وعقولا
هذه الأبيات، رغم عظمتها البيانية، تمثل الموضوعية الكاملة؛ والشعر عواطف وأن تتداخل مع الموضوع هنا الأبيات حكم عامة متفق عليها، لا تحمل جرح الذات أو والسيادة العاطفية أو الاستعلاء الوجودي نص (كان مجرد موضوع) فقد شاعريته.
لو امتلك شوقي جرأة المتنبي الوجودية لكان قادراً على إضافة سماء ثامنة للشعر العربي، فقد جمع شوقي ثقافة الشرق والغرب وكان ذا عبقرية تقنية نادرة، غير أن كبرياءه الشعري بقي واقعياً ووظيفياً، بينما كبرياء المتنبي تحولت إلى بنية وجودية تجعل القصيدة تقف خارج زمنها.
الشعر بطبيعته يرفض الوظيفة، فإذا تحول إلى أداة للمدح أو الزينة الاحتفالية فقد جزءاً من كبريائه، والكبرياء هنا ليست أخلاقاً ولا مزاجاً بل شرطاً تخيلياً يسمح للقصيدة بتجاوز صاحبها، فالشاعر الماهر يزين اللغة ويحسنها، أما الشاعر العظيم فيعيد تعريف شروطها ويفرض لها مقاماً جديداً، ولهذا لا يقوم الشعر إلا على القوة، قوة القول وقوة الموقف وقوة تمثيل الذات.