خاص غرفة 19 أيام الشارقة التراثية 2026
إعداد: مروان ناصح

في فضاء «بيت النابودة» العابق برائحة التاريخ، وضمن فعاليات «أيام الشارقة التراثية» بتاريخ 11 فبراير 2026، أقيمت ندوتان فكريتان شكّلتا معًا لوحة معرفية متكاملة عن الإنسان العربي في حركته اليومية: في تجارته، وفي لعبه، في كسب رزقه، وفي صناعة فرحه. الندوة الأولى جاءت بعنوان “معابر حضارية وروافد تراثية “وشارك فيها كلٌّ من الدكتور يحيى محمد محمود من مصر، والدكتور أندرياند ديماند من البرتغال، والدكتور مسعود إدريس من شمال مقدونيا، وأدارها الدكتور عادل أحمد الكسادي من الشارقة. أما الندوة الثانية فحملت عنوان ” الألعاب الشعبية والحفاظ عليها ” وشارك فيها الدكتورة سمر سعيد من مصر، والأستاذ سعيد المناعي من دولة الإمارات، وأدارتها الأستاذة عائشة غابش من معهد التراث في الشارقة.
ندوتان بدتا في ظاهرهما مختلفتين، لكنهما التقتا في جوهر واحد: كيف نحافظ على الذاكرة الشعبية في زمن السرعة والتكنولوجيا، وكيف نصون تفاصيل الحياة اليومية بوصفها جزءًا من الهوية الوطنية والإنسانية.
خان الخليلي… السوق الذي صار ذاكرة وطن
في الندوة الأولى، استهل الدكتور يحيى محمد محمود الحديث بأخذ الحضور إلى “خان الخليلي”، أشهر الأسواق التاريخية في مصر والعالم العربي.
وأوضح أن “الخان” في العهد المملوكي لم يكن مجرد مكان للبيع والشراء، بل مؤسسة متكاملة تستقبل التجار وبضائعهم ودوابهم، وتوفّر لهم الإقامة والخدمات، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية. وأشار إلى نشأة الخان في القرن الرابع عشر، وتحوّله تدريجيًا إلى حي تجاري كامل في العصر الحديث، يجمع بين التراثي والمعاصر، ويستقطب السياح والزعماء والزائرين من مختلف أنحاء العالم، حتى غدا رمزًا ثقافيًا وسياحيًا لمصر.
الخليج ومضيق هرمز… التجارة بوصفها عقلًا عالميًا
من جانبه، تناول الدكتور أندرياند ديماند تاريخ الحركة التجارية في الخليج العربي ومضيق هرمز، قبل المرحلة البرتغالية وخلالها. وتوقف عند فلسفة “العقل التجاري” بوصفها ظاهرة إنسانية عابرة للثقافات، تقوم على البحث عن الربح واستثمار الفرص.
وقدّم عرضًا دقيقًا عن المرحلة البرتغالية، وأنواع البضائع المتبادلة، وأساليب فرض الضرائب، فضلًا عن بعض الممارسات غير الأخلاقية التي لجأ إليها بعض التجار لتحقيق مكاسب سريعة ثم الفرار.
كما تناول موضوع المعلومات التجارية في مرحلة ما قبل الرأسمالية، معتبرًا أن المعرفة بالطرق والأسواق كانت رأس مال حقيقيًا.
البلقان والخانات العثمانية… وحدة الشكل ووحدة الوظيفة
أما الدكتور مسعود إدريس، فقد سلط الضوء على الأسواق والخانات في دول البلقان إبّان الحكم العثماني، مؤكدًا أنها كانت امتدادًا مباشرًا للنموذج العربي الإسلامي.وبيّن أن هذه المنشآت ضمّت مساجد، وحمامات، وأسبلة مياه، وأُنشئت غالبًا في إطار نظام الوقف، بما يعكس بعدها الاجتماعي والإنساني. وأشار إلى تشابه البضائع مع أسواق المشرق، مع اختلافات بسيطة تمليها الخصوصيات المحلية.
ندوة الألعاب الشعبية… ذاكرة الفرح والهوية
في الندوة الثانية، انتقل الحضور من عالم الأسواق إلى عالم اللعب، ومن اقتصاد الحياة إلى ثقافة الطفولة. تناولت الدكتورة سمر سعيد والأستاذ سعيد المناعي أهمية الألعاب الشعبية لمختلف الأعمار، ودورها في تشكيل الهوية الجماعية، وتعزيز روح المشاركة والانتماء. وتوقفت المداخلات عند كيفية إعادة الحماس لدى الأطفال لممارسة الألعاب المحلية في ظل هيمنة الألعاب الإلكترونية، مؤكدة دور المدرسة والمؤسسات التربوية في هذا المجال. كما نوقشت خطورة الألعاب المستوردة، وأهمية وعي الأسرة في حماية الموروث، إلى جانب الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في توثيق الألعاب بالصوت والصورة.
تنوع البيئات… ووحدة الروح العربية
أبرزت الندوة تنوع الألعاب حسب البيئات: بحرية، جبلية، زراعية، وصحراوية، مع التأكيد على وحدة جوهرها في البلاد العربية رغم اختلاف التسميات والتفاصيل. وأشارت إلى اقتران معظم الألعاب بالأهازيج الشعبية، بما يمنحها بعدًا فنيًا وثقافيًا إضافيًا. كما تم التعريف بالقسم الخاص بالألعاب الشعبية في معهد الشارقة للتراث، والفرق التدريبية المختصة من الجنسين.
قيم تُبنى باللعب… وشخصية تُصاغ بالممارسة
أكد المتدخلون أن الألعاب الشعبية ليست تسلية عابرة، بل مدرسة غير مباشرة لبناء الشخصية، إذ تغرس قيمًا أساسية مثل:
تنمية الفكر،
روح التحدي،
سعادة النجاح،
كسب الثقة،
احترام القانون،
وتنمية روح الفريق.
كما أُشير إلى وجود اهتمام رسمي بهذا المجال، مع الحاجة إلى مزيد من الدعم المؤسسي.
خاتمة: حين تلتقي التجارة باللعب في معنى واحد
قدّمت ندوتا «بيت النابودة» صورة متكاملة عن الإنسان في تراثه: تاجرًا في السوق، ولاعبًا في الساحة، صانعًا للرزق، وبانيًا للفرح. من الخان إلى اللعبة، ومن القافلة إلى الأهزوجة، يتشكل نسيج الهوية الشعبية بوصفه خلاصة تجربة إنسانية طويلة، تستحق أن تُحفظ، لا في المتاحف وحدها، بل في الوعي والممارسة والحياة اليومية. وهكذا، أكدت «أيام الشارقة التراثية» مرة أخرى أن التراث ليس ذكرى ساكنة، بل طاقة حيّة، تتجدد كلما وجد من يصغي إليها ويؤمن بها.