في سياق متابعة فعاليات «أيام الشارقة التراثية» المقامة تحت شعار «وهج الأصالة»، جاء هذا اللقاء مع الباحث في التراث الإماراتي الدكتور تركي سعيد الظهوري بهدف تسليط الضوء على عدد من الفنون التراثية الإماراتية، ولا سيما تلك المرتبطة بالبيئة الجبلية، بما تحمله من خصوصية ثقافية وفلكلورية متفردة، ومن أبرزها فن الندبة وفن الرواح.
وتحدّث الدكتور الظهوري عن فن الندبة بوصفه أحد الفنون التقليدية التي تميّزت بها محافظة مسندم، موضحًا أنه يقوم على إطلاق صيحات متتابعة تشبه عواء الذئب، وكان يُستخدم قديمًا للتحذير من هجمات القبائل المجاورة. ومع مرور الزمن، تحوّل هذا الفن من وسيلة إنذار إلى تقليد اجتماعي يؤديه الضيف تعبيرًا عن امتنانه لكرم مضيفيه، ثم أصبح لاحقًا جزءًا من طقوس الأعراس وحفلات الزواج، إلى جانب حضوره في المناسبات والاحتفالات الوطنية.
وخلال اللقاء، تناول الدكتور الظهوري فن الرواح بوصفه من أبرز الفنون الشعبية لدى أهالي المناطق الجبلية في دولة الإمارات العربية المتحدة، مشيرًا إلى أن هذا الفن الإيقاعي يعتمد على مجموعة من الطبول، من بينها الرحماني والرَّنّة والكاسر، وقد يتراوح عددها بين ثمانية وعشرة طبول أو أكثر. وأوضح أن تسمية «الرواح» تعود على الأرجح إلى كونه فنًا للتسلية والترويح عن النفس، وهو ما منحَه هذا الاسم.
وبيّن الظهوري أن فن الرواح يُعد من الفنون الضاربة في القِدم، ويتميّز ببساطة أدائه وعدم تكلفه، إضافة إلى فصاحة مفرداته وتسمياته، الأمر الذي أسهم في حضوره القوي في المناسبات الاجتماعية لأهالي الجبال. كما استعرض أسلوب أدائه الذي يعتمد على قرع الطبول بالأكف دون استخدام العصي، حيث يبدأ الإيقاع بطيئًا ثم يتسارع تدريجيًا مع تصاعد أصوات المشاركين وحماسهم.
وأشار إلى أن أداء الرواح غالبًا ما يجمع أفراد العائلة الواحدة، في لوحة تراثية حيّة تضم أكثر من جيل، من الجد إلى الأب فالابن، ضمن الفرقة نفسها. ويتخذ الأداء طابعًا حركيًا مميزًا، إذ يسير المؤدّون ببطء ويدورون حول أنفسهم بين الحين والآخر، وقد يصل عدد المشاركين إلى نحو أربعين فردًا، يحمل كل منهم طبله ويعزف عليه بإيقاعات خاصة. ويُؤدَّى هذا الفن لدى مختلف القبائل الجبلية، مثل الشحوح والظهوريين وغيرهم، ليبقى شاهدًا حيًا على غنى التراث الجبلي الإماراتي وأصالته.