
د. بهاء درويش
تتأسس سلوكيات الناس دائما على قيم يؤمنون بها ويعملون وفقاً لها حتى وان لم يكن أي منهم على وعي بذلك ولكن يمكن اشتقاق القيم التي يؤمن بها من سلوكياته وتصرفاته.
فإذا ما اختلف أفراد- يتبنون القيم ذاتها- بناء على وجهات نظر مختلفة، فمن الممكن من خلال نقاش صادق- منطلق من رغبة في الوصول إلى حل- أن يصل الطرفان إلى حل. أما إذا انطلق الطرفان من أسس قيمية مختلفة فكيف يمكن أن يصلا إلى نقاط مشتركة من أسس مختلفة.
لا يمكن أن ينجم عن قيم الصدق والجد والمثابرة وحب الخير للآخرين الأمور نفسها التي تنجم عمن يتبنى ولو أحيانا قيم الكذب والكسل والغيرة من الآخرين وحب الذات. لكل منهما اتجاه يسير في طريق مختلف وبالتالي ستظل السلوكيات مختلفة والطريقان متباعدان.
إذا عدنا إلى قصص التاريخ نجد دائما أن أحد الطرفين ينتصر في النهاية ولم يحدث يوما أن اتفق كلاهما او حدث صلح بينهما إلا بمعنى “هدنة” يحتاجها الطرفان.
تتصف القيم بصفة مهمة للغاية وهي أنها تقرب المسافات والفجوات الموجودة بين الأجيال. من الطبيعي أن يرى كل جيل الأمور بطرق مختلفة ولكن الصدق والرغبة الصادقة في فهم الآخر تقرب كثيرا من فهم البعض للآخر. كذلك يؤدي حب العدالة الدور نفسه. من الطبيعي أن يرى كل جيل العدل من منظور مختلف. فالجيل السابق علينا مثلاً كان يرى ان العدل هو ما يراه رب الأسرة عدلاً وعلى الجميع الالتزام به. ولكن في ظل استرداد النساء معظم حقوقهن لم يعد تحديد العدل يتم بشكل مفرد من قبل رب الأسرة. كذلك كانت الأسر في الماضي تعتقد أن العدل في معاملة الأبناء تكمن في تعليم الذكور وتزويج البنات، فالإنفاق على البنات في الزواج أفضل من الإنفاق عليهن في التعليم وأن الإنفاق على الذكور فقط في التعليم هو العدل. اختلف هذا المفهوم مع ادراك أهمية تعليم الفتيات. المهم أن المحب للعدل الذي يسير وفقا لقيم العدل سيراجع نفسه هنا وهناك، وسيحاول تطبيق العدل وفقا لكل مفهوم يتغير ويدركه.
يتقاطع العدل مع المصلحة، وفي عالم تغلب عليه قيم المصلحة يصبح تحديد أو تطبيق العدل أكثر صعوبة. يرى ملاك العقارات القديمة مثلاً أنه من العدل أن تزيد الإيجارات وأن الايجارات القديمة تمثل ظلما لهم. بينما يرى المستأجرون أن زيادة الإيجارات واحتمال طردهم بعد عدة سنوات يمثل ظلما لهم. من هنا كان العدل يتقاطع مع المصلحة ويصبح تحديده في حالات واقعية كثيرة صعباً. ومع هذا فإن حب العدل يمكن أن يجعل نقطة الالتقاء بين طرفي أي علاقة أمرا ًممكناً.
هكذا نجد أن الاختلاف في وجهات النظر بين طرفين يؤسّسان قراراتهم وسلوكياتهم على قيم واحدة اختلاف بسيط سهل ازالته. أما الاختلاف الذي يبدو أنه اختلاف في وجهات النظر بينما هو في الحقيقة اختلاف في القيم التي تتأسس عليها قرارات وأفعال كل طرف فهو اختلاف حقيقي وصعب الحل.
من هنا كان على كل إمريء يريد تقييم أفعاله أن يراجع قيمه. فالخلاف لا يكمن في الأفعال ولكن في القيم التي تقف وراءها. قد يسهل الأمر بالنسبة للواعي بالقيم التي تتأسس عليها أفعاله ولكن الأمر قد يكون صعباً بالنسبة لمن لا يعي في الأساس القيم التي تتأسس عليها أفعاله، فإذا لم يكن على وعي بها فكيف يمكنه مراجعتها وتقييمها؟ من هنا كانت ضرورة أن يعي كل منا أن تصرفاته لا تحدث بشكل عشوائي وأن هناك نسقاً قيمياً يقف خلف سلوكياته يحتاج لمراجعة دورية.