
القاصة والمخرجة فاطمة عبدالله
فجوة المعرفة
نعرف أحداث طروادة أكثر بكثير مما نعرف ما لحق بأبطالها بعدها. نحفظ الحصان، والحصار، والانتصار، ولا نحفظ ما آل إليه المنتصرون. تستثمر الأوديسة هذه الفجوة بالذات؛ فهي لا تروي الحرب، بل ما بعد الحرب، ولا تحتفي بالمجد، بل تسأل عن ثمنه.
الرسالة
في قراءتي، يطرح الفيلم رسالة واضحة: من يهدد أوطان الآخرين يفقد هو معنى الوطن.
أوديسيوس، الذي شارك في تدمير طروادة، لا يُمنح طريقًا مستقيمًا إلى إيثاكا، بل يُدفع إلى سنوات طويلة من الضياع. وكأن الفيلم يقول إن الحرب لا تنتهي بسقوط المدينة، وإنما تبدأ لحظة عودة المنتصر ليكتشف أنه لم يعد كما كان.
ولهذا لا يبدو المنتصر منتصرًا حقًا، بل إنسانًا يحمل آثار الحرب في روحه قبل جسده.
حتى الجنود الذين تحوّلهم سيرسي إلى خنازير لا أراهم مجرد مشهد أسطوري، بل رمزًا لتحول الإنسان عندما تستولي عليه غريزة القوة، فيفقد شيئًا من إنسانيته.
من المقاومة إلى التسليم
وأجمل ما في رحلة أوديسيوس، في تقديري، ليس انتقاله بين الجزر، بل انتقاله في الوعي.
كلما ازداد اعتزازًا بقدرته على تجاوز التحديات بدهائه وقوته، طال ضياعه في البحر، وكانت السفن الضخمة التي حملت أمجاد الحرب عاجزة عن حمله إلى وطنه.
لكن حين انتهت مقاومته، وتخلّى عن وهم السيطرة الكاملة، عاد إلى إيثاكا على طوافة بسيطة.
وكأن الفيلم يقول إن الطريق إلى الوطن لا يفتحه المزيد من القوة، بل شيء من التسليم.
وهنا لا أقصد الاستسلام أو الهزيمة، بل التسليم الذي يأتي بعد استنفاد وهم السيطرة؛ ذلك التحول الذي يدرك فيه الإنسان أن بعض المعارك لا تُحسم بالإصرار، وأن الكبرياء قد يطيل المعاناة أكثر مما ينهيها.
فالكبرياء يوهمنا أن النجاة تكمن في مزيد من المقاومة، بينما تشير رحلة أوديسيوس إلى أن الخلاص قد يبدأ عندما يتغير الوعي قبل أن يتغير الطريق.
من المتعة إلى الفكر
الإنجاز الحقيقي للفيلم أنه لا يكتفي بإبهار العين، بل يحوّل المتعة البصرية إلى متعة فكرية، وقد يغيّر قناعة راسخة تجاه الحرب.
وأرى أن هذه هي مهمة الناقد أيضًا، لا الفيلم وحده؛ أن يحوّل المتعة، بصرية كانت أو لفظية، إلى سؤال فكري يبقى بعد انتهاء التجربة. فالمتعة التي لا تتحول إلى فكر تُنسى عند باب الصالة، أما المتعة التي تتحول إلى وعي فتستمر في تشكيل الإنسان.
والمتعة البصرية هنا ليست فخًا يخدع المشاهد، بل خطّافًا يشد انتباهه حتى يكتمل التحول الدرامي والفكري. ومن هنا تبدأ مهمة الناقد: أن يكتشف هذا الخطاف، وأن يحكم هل نجح المبدع في صناعته أم لا. ففي هذه المساحة تحديدًا تظهر حرفة نولان؛ إذ لا يجعل المشاهد يتابع الأحداث فحسب، بل يدفعه إلى مراجعة موقفه من الحرب والانتصار والقوة.
هل يستحق نوبل للسلام؟
قد يبدو هذا الحكم مبالغًا فيه، لكنني أقولها بوصفها استعارة عن أثر الفن لا عن الجوائز.
فقليل من الأعمال الفنية ينجح في أن يجعل المشاهد ينفر من الحرب، ويميل إلى الدبلوماسية، ويشك في فكرة الانتصار العسكري نفسها. وإذا كان السلام يبدأ بتغيير وعي الإنسان، فإن هذا الفيلم، في تقديري، يؤدي هذا الدور بامتياز.
