يحمل عنوان رغبات مهشمة منذ اللحظة الأولى مفتاح العالم النفسيّ الذي تتحرك فيه الرواية. فالعنوان عتبة سيميائية كثيفة تختصر مأساة الذات قبل الدخول إلى النص. إنّ لفظة «الرغبات» توحي ما هو حيّ، دافئ، إنساني، بما يختبئ في أعماق الروح من توقٍ إلى الحب والاكتمال والاحتواء، بينما تأتي صفة «مهشمة» لتكسر هذا التدفّق الحلمي بعنفٍ بصريّ ونفسيّ معًا. فالتهشيم يعني البقاء في هيئة شظايا؛ أي إنّ الرغبة لم تمت، لكنها فقدت شكلها الأول، فقدت براءتها، وصارت تعيش داخل الذات كقطع زجاجٍ جارحة.
ومن هنا يبدو العنوان مرآةً دقيقة لحالة البطلة في هذا المقطع؛ فهي امرأة لم ينطفئ فيها الحب، لكنه لم يعد مكتملًا، لم يعد واثقًا. صار الحبّ في قاموسها رغبة خائفة، مرتبكة، تنظر إلى نفسها كما لو كانت تجمع بقايا قلبها من أرض العمر.
منذ السطر الأول نشعر أنّ النص يتحرك داخل هذا التهشيم الداخلي:
«ستلتقينه، تصافحين يده، تقرئين ما تُخبئه عيناه».
إنّ الصوت هنا يشبه صلاةً سرية تهمس بها الروح لنفسها كي لا تنهار. وكأنّ المرأة لا تنتظر رجلًا بقدر ما تنتظر معجزة صغيرة تعيد ترتيب شظاياها المبعثرة.
يا لهذا المستقبل الذي يجيء دافئًا كضوء نافذة في آخر الليل.
فالأفعال المستقبلية تبني أفقًا نفسيًا مضادًا للانكسار. تحاول الذات المرهقة عبر اللغة أن تؤجل سقوطها، أن تمنح نفسها حق الحلم ولو متأخرًا.
ولهذا تكتسب “اليد” في النص بعدًا سيميائيًا بالغ العمق:
«وإن طال مكوث يده في يدك فستتعرفين دهشة الحب».
فاليد رمز للاعتراف والطمأنينة. إنها العلامة الوحيدة التي تجعل البطلة تشعر أنّها ما زالت مرئية، ما زالت قادرة على أن تُحَبّ. إنّها لا تبحث عن رجل بقدر ما تبحث عن شعور يعيد إليها يقينها الإنساني بأنها لم تتحول بعد إلى ظلّ. لكنّ النص سرعان ما يسحبها من هذا الضوء الحالم نحو مواجهة الذات.
«تركت الأريكة، اتجهت نحو سريرها».
كأنها تترك مساحة الوهم الجميل لتدخل غرفة الحقيقة.
فالسرير هنا فضاء اعتراف، حيث تسقط الأقنعة، ويعلو صوت الداخل.
ثم تأتي المرآة…
وتأتي معها اللحظة الأكثر قسوة في النص.
فالمرآة في هذا المقطع هاوية تعكس الزمن. ولهذا لا ترى البطلة وجهها، بل:
«شبح صورتها داخل المرآة».
يا له من تصوير يفيض انكسارًا.
الشبح حضور ناقص، حضور يتآكل ببطء.
وكأنّ المرأة تشعر أنّ الزمن سرق تماهيها مع نفسها. فهي لا تزال في الداخل ابنة العشرين، لكنّ المرآة تعيدها بعنف إلى عمرٍ آخر لا تعترف به روحها.
ومن هنا يتجلّى البعد النفسي السيميائي للنص؛ فالصراع الحقيقي ليس بين المرأة والزمن، بل بين صورتين للذات:
صورة داخلية نابضة بالرغبة، وصورة خارجية يكسوها الشيب والتعب والخوف.
أما خصلات الشعر الأبيض فتتحول إلى علامة ثقافية جارحة، لأنها تفضح سلطة المجتمع على الجسد الأنثوي. فالثقافة الشرقية كثيرًا ما تجعل المرأة سجينة صورتها، وتربط قيمتها بقدرتها على البقاء داخل “زمن الجمال”. ولذلك يغدو الشيب حكمًا اجتماعيًا غير معلن بانتهاء صلاحية الحلم.
ولهذا ترتجف البطلة وهي تقول:
«إن العمر لا يُحسب بعدد السنين».
إنها تحاول أن تحتمي بالشعرية من الحقيقة، أن تهزم الزمن بفكرة رومانسية تقول إن القلب لا يشيخ. لكنّ الذات، في عمقها، تعرف هشاشتها، لذلك تعود وتعترف بانكسارها:
«لقد تعديت العمر المسموح به للحب بأعراف البشر».
وهنا يبلغ النص ذروته الثقافية والإنسانية. فالمأساة تكمن في “أعراف البشر” لا في العمر.
المجتمع هو الذي يقف بين المرأة وقلبها، هو الذي يجعلها تشعر بالذنب لأنها ما زالت ترغب في الحب. وكأنّ العالم يسمح للمرأة أن تضحي، أن تتعب، أن تكبر… لكنه لا يسمح لها أن تحلم متأخرة.
تكتب إخلاص فرنسيس عن روحٍ أنهكها الانتظار حتى صارت تخجل من حاجتها الإنسانية البسيطة: أن تجد يدًا تمسك بها في آخر الطريق. ولهذا تأتي اللغة متقطعة، مرتجفة، مليئة بالنفي والاستفهام والتكرار.
«لا!»
«ألست أنت…؟»
إنها لغة نفس تحاكم نفسها.
لغة امرأة تحاول أن تقنع قلبها بالصمت بينما القلب، بعناد طفوليّ مؤلم، ما زال يريد أن يصدّق أنّ الربيع قد يمرّ مرة أخرى.
ويقترب هذا التمزّق النفسي في رغبات مهشمة من عالم غادة السمان، حيث تبدو المرأة دائمًا معلّقة بين رغبتها في الحب وخوفها من نتائجه الاجتماعية. فبطلات غادة السمان يعشن الحب بوصفه قلقًا دائمًا، لأنّ المجتمع يحاصر الأنثى حتى في أكثر لحظاتها صدقًا. ففي لا بحر في بيروت مثلًا، تبدو المرأة كأنها تبحث عن ذاتها وسط مدينة تخنق أحلامها، بينما يتحوّل الحب إلى محاولة للهروب من الفراغ الداخلي لا إلى خلاص كامل. وهذا ما نراه عند بطلة إخلاص فرنسيس؛ فهي تخاف أن تبدو “متأخرة” عن الحبّ، كأنّ المجتمع صادر حقها في الدهشة لأن الزمن مرّ فوق وجهها.
أما علاقتها بعالم فرجينيا وولف فتتجلّى في نظرة النص إلى الزمن بوصفه شعورًا داخليًا لا رقمًا خارجيًا. ففي السيدة دالاواي يتحرك الزمن عبر تدفّق الوعي والذكريات والخوف من الشيخوخة والوحدة. وكلاريسا دالاواي، على الرغم من حياتها الاجتماعية، تشعر بانكسار داخلي كلما واجهت مرور العمر. وهذا ما يتردد صداه في مشهد المرآة عند إخلاص فرنسيس، حين ترى البطلة «شبح صورتها»؛ فهي ترى السنوات التي مرّت من دون أن تمنحها الاكتمال العاطفي الذي حلمت به.
وهكذا تلتقي إخلاص فرنسيس مع غادة السمان في تصوير الأنثى بوصفها كائنًا ممزقًا بين الرغبة والخوف، وتلتقي مع فرجينيا وولف في جعل الزمن جرحًا نفسيًا يسكن الروح قبل الوجه. إنّ هذا النص، في جوهره، عن الإنسان حين يشعر أنّ العمر يركض أسرع من أحلامه. عن امرأة تقف أمام المرآة وتحاول أن تجمع “رغباتها المهشمة” كما يجمع المرء قطع زجاجٍ مكسور، خائفًا أن تجرحه، وخائفًا أكثر أن يتركها تضيع إلى الأبد.
إخلاص فرنسيس، رغباتك وإن هشّمها المجتمع، فهو غير قادر على تهميشها.
في رغبات مهشمة تبدو المرأة كائنًا داخليًا يقف على حافة العالم: نصفه مرئيّ ونصفه الآخر يذوب في الضوء. امرأة تمشي بين مرآتين: مرآة المجتمع التي تُعلن العمر، ومرآة الذات التي لا تزال تصدّق الحب. وبين المرآتين يولد ذلك التمزق النبيل، ذلك الرجف الخفي الذي يجعلها حيّة حتى وهي تتألم.
صديقتي إخلاص، لقد منحتِ امرأتكِ حقّ البقاء على الرغم من الانكسار. جعلتِ من الرغبة وجوداً يُعاد تشكيله كلما حاول العالم طمسه. وكتبتِ الألم كطريقة سرّية للنجاة، كأنّ التهشيم نفسه يتحوّل عندك إلى شكلٍ آخر من الجمال.
المرأة في نصّك شاهدة على الزمن. تمشي في عتمته وهي تحمل ضوءها الخاص، قنديلها الديوجينيّ، تحاورينها، في إباء، لكنك ترفضين أن تحكمي عليها، في قلبك . وهنا يكمن التزامك العميق: أنكِ منحتِ المرأة حقّ أن تظلّ قادرة على الحب، كي تتسع دائرة السؤال. وكأنكِ تقولين إنّ الحب يُقاس في إرادة البقاء مهما تهشّم الضوء، وانكسرت الرغبة.

د. جوزاف ياغي الجميل
