“الزمن الجميل”… هل كان جميلاً حقًا؟ (15)
الكاتب مروان ناصح

في “الزمن الجميل”، كان لكل شيء مهرجان:
السينما، المسرح، الطفل، المرأة، الطفولة، التراث، البيئة، حتى “الندوة القومية حول النقد الأدبي الملتزم في الوطن العربي”.
وكانت القاعات تمتلئ، واليافطات تُرفع، والفنادق تُحجز، والحقائب تُملأ بالوثائق،
لكنّ السؤال الجوهري كان غائبًا دومًا:
أين المنتَج؟
– مهرجان سينمائي لدولة تنتج فيلمين!
تُقام تظاهرة سينمائية سنوية، تُطبع لها ملصقات فاخرة، ويُستدعى ضيوف من الخارج، وتُمنح جوائز “رمزية”، وتُلقى كلمات رنانة عن “الصورة” و”الهوية”،
لكن المفارقة الكبرى؟
أن الدولة المنتجة للمهرجان لا تنتج أكثر من فيلم أو اثنين في العام!
وعندما تسأل المسؤول:
ــ ما الجدوى؟
يبتسم بثقة ويقول:
ــ هذا في خدمة الثقافة السينمائية.
– تقليد المهرجانات العريقة… دون شرطها الأساسي:
هذه الظاهرة ورثناها ـ كما يقول البعض ـ من مصر،
لكن مصر في زمنها الذهبي كانت تنتج مئات الأفلام، بينما كان عندنا في أحسن الأحوال: فيلم يحفظ في الأرشيف ولا يُعرض، وفيلم يُعرض في مهرجانات الخارج. لكن رغم ذلك،
تستمر المهرجانات… لأن صورتها أهم من مضمونها.
– المؤتمرات الثقافية: تكرار مكرور:
تُعقد الندوات الثقافية كل عام: عن التجديد في القصيدة، عن تحديات المسرح العربي، عن دور المثقف في مواجهة “الاستعمار” الإعلامي!
لكن الأوراق المقدَّمة تعاد من محفوظات سنوات ماضية، والمداخلات مليئة بالمصطلحات المنسية، والحضور… نائم أو مشغول بالبوفيه
ثقافة “الاستعراض” لا “الإنتاج“:
المشكلة ليست في الفكرة، بل في تحويل الثقافة إلى واجهة استعراضية، المهم أن نقيم مؤتمراتنا، وأن تكتب الصحف عن “النجاح”، وأن يظهر المسؤول الثقافي في نشرة الأخبار.
أما المنتَج الحقيقي، الكتاب، الفيلم، المسرحية، اللوحة…فلا أحد يسأل: هل خرج منها شيء حيّ؟ هل أثارت سؤالًا؟ هل أزعجت أحدًا؟ هل غيّرت شيئًا؟
– خاتمة:
في الزمن الجميل، كانت المهرجانات تُقام بانتظام، والخطابات تُلقى بإتقان، لكن ما يُنتَج في النهاية هو صورة معلّقة على الجدار… بلا ظل.
في دولة تنتج فيلمين… لكنها تقيم عشر مهرجانات سينمائية، تُصبح الثقافة نفسها فيلما قصيرًا: جميل الإضاءة، مُعدٌّ بعناية، لكنّه… لا يُعرض في أي صالة.
