
د. أنطوان يزبك
في الأونة الأخيرة، خطا علم النفس” السلوكي _الإجتماعي” خطوات جبّارة والملفت أن عدد الكتب التي تصدر سنويا وتعالج هذا الموضوع ، في تزايد كبير والملفت أيضا إقبال الناس على قراءتها . من تلك الكتب نذكر كتاب( محاط بالاغبياء أو [محاط بالحمقى] ) وعنوانه في اللغة الإنجليزية :
(Surrounded by Idiots)
لمؤلّفه توماس إريكسون ، لا يتناول الكتاب مسألة الغباء فقط، بل يتناول جملة من المواضيع الأخرى حول موضوع السلوك والتعاطي بين الناس ؛ خاصة ما يحصل من اختلاف و سوء الفهم في التواصل بين الناس .
من المهم جدًا أن نعرف أن السلوك النفسي الإجتماعي هو التفاعل المشترك بين العوامل النفسية الداخلية للفرد والمقصود هنا أيضا مجموعة الأفكار والمشاعر والدوافع والظروف البيئية والاجتماعية المحيطة به لتوجيه أفعاله اليومية و تفاعله مع الآخرين، بحيث يعيش الإنسان في المجتمع وهو يتحرّك من خلال المكتسبات الإجتماعية والدوافع الداخلية الموجودة لديه في شخصيّته وطبعه.
أما عن طرح توماس إريكسون فهو كالتالي : في حياتنا اليوميّة وفي تفاعلنا مع الآخر، كثيراً ما نقع على حائط صلب يمنع التواصل حينها نصف من يختلفون عنا في التفكير والسلوك بـ”الأغبياء”، بينما هم فقط يتواصلون بطريقة مختلفة. لذلك يقدم الكاتب نموذج الDISC المبسّط عبر 4 ألوان للشخصية:
- الأحمر (المسيطر) وهو كما يصفه الكاتب : عملي، مباشر، تنافسيّ، يحب السيطرة والنتائج السريعة، ويكره البطء والتردد.
- الأصفر (الملهم) : اجتماعي، متفائل، مبدع ومحب للكلام، لكنه قد يكون مشتتاً وغير منظّم.
- الأخضر (المستقرّ) : هادئ، متعاون، مستمع جيد، يكره التغيير المفاجئ ويقدّر العلاقات أكثر من المهام.
- الأزرق (التحليلي) : دقيق، منظم، يحب التفاصيل والبيانات والقوانين، وقد يقع في “شلل التحليل”.
هذا بالمبدأ كما شرح توماس إريكسون أنواع الشخصيات ولكن كان هدفه الأول من الكتاب أبعد من ذلك ، فهو يظهر ناحية مهمة وهدف أسمى على قاعدة ؛ ماذا يمكن أن يمنحك هذا الكتاب عملياً ؟ وقد أعطى الشروحات التالية :
- افهم نفسك أولاً : حدد لونك الغالب لتكتشف نقاط قوتك وضعفك في التواصل.
- قم بعملية تكيّيف لأسلوبك بحسب المستمع : يجب أن يتمّ التواصل بشروط المستمع لا المتكلم ، على الشكل التالي :
- مع الأحمر: كن موجزاً وركز على النتائج .
- مع الأصفر: استخدم الحماس والقصص ووثّق الاتّفاقات كتابة .
- مع الأخضر: كن هادئاً، مهّد للتغيّير تدريجياً وأظهر الأمان .
- مع الأزرق: قدّم الحقائق والأدلّة والتزم بالمواعيد .
- إدارة الصراع والعمل: كيف تتعامل مع مديرك وفريقك، ومتى تتكلم ومتى تصمت، وكيف تقرأ لغة الجسد وتحسّن التواصل الكتابي.
كل هذه المهارات يشرحها اريكسون ويعطي أمثلة ويحللها في طول الكتاب وعرضه والجميل في أسلوبه أنه يقدّم الحجج والبراهين المفيدة التي تجعل القارئ ينغمس في عالم حقيقي ملموس ، بعيدا عن النظريات التي يصعب تطبيقها في الحياة العمليّة . يستمرّ الكاتب إريكسون في سرده حتى يصل إلى الخلاصة التي يكررها غالبًا :
لا يوجد شخص غبي كليّا ، على وجه الأرض ، هنالك فقط أنماط سلوكيّة مختلفة، والذكاء الحقيقي هو أن نتعلم “لغة” تناسب كلّ نمط من الشخصيات المتعدّدة ، كي نكسب ثقة الآخرين وننجح في التواصل معهم بنجاح وثقة . ولا شكّ في أن هذه المسألة تتطلّب من الإنسان استعمال جميع قدراته الذكائية والتحليلية وخبرته في التعاطي والتعامل مع الناس ، من أجل أن ينجح في بناء علاقات سليمة و جيّدة في آن واحد ، مع الآخرين، مهما كانت نوعيّة طباعهم و صعوبة التقرّب منهم والتفاهم معهم . و ذلك من خلال بناء جسور سليمة ومتينة تسهّل الوصول إلى الآخر حتى في أصعب الظروف واستحالة التفاهم.
تبقى مسألة الغباء أو الحمق فهل من علاج لها ؟
يقول سيجموند فرويد :
هناك طريقتان لتكون سعيدا في هذه الحياة ، الاولى : أن تلعب دور الغبي والثانية: أن تكون غبيّا بالفعل!
بعيدا عن هذا الأسلوب الساخر والدعابة المقبولة من الدكتور فرويد ، لا نستطيع أن ننكر أن الغباء موجودٌ لدى عدد كبير من الناس والغباء معضلة شاقة تسمّم أجواء العلاقات بين البشر وتسبب بمشاكل كبيرة ، خاصة إذا تراكم فوق الغباء أنواع أخرى من الأمراض النفسية والخلل السلوكي الموجود لدى عدد كبير من الناس ، فيتحوّل المجتمع إلى حالة كبيرة من الفوضى لا تحمد عُقباها على المدى البعيد .
