يفرّق جيرار جينيت بين مناص يصدر عن المؤلف وآخر يصدر عن الناشر، وغلاف الديوان الذي بين أيدينا، للشاعر مارون الماحولي، بصورته وخطّه وشعار الناشر على ظهره، أقرب إلى الثاني، ولا نعلم مَن صاحب القرار فيه. لذلك نقرؤه خطابًا يعرضه الكتاب على قارئه، لا قصدًا مؤكَّدًا للشاعر.
أمامنا غلافان وأربعة أسطر، ودراستنا تتعلق بأفق القراءة الذي تفتحه العتبات، لا ببنية الديوان الداخلية. وتذهب أطروحتها إلى أن العتبات كلها تشتغل على الحلقة: سوار يطوّق المعصم، ويد تطوّق اليد، وخيط ذهبي يلفّ الاثنتين، ونصّ يلفّ الخصر بالقُبَل.
ويبدو الحنين مادة هذا السوار والحضور إغلاقه.
يتألف العنوان من جملة اسمية يتقابل طرفاها تقابل الصوت الصدى: «سوارُها» مبتدأ مضاف إلى ضمير الغائبة، و«يدي» خبر مضاف إلى ياء المتكلم، فتتعادل «هي» و«أنا» في معادلة تُلغي المسافة بين الحلية والجسد. والضمير «ها» يحيل إلى غائبة لم تُسمَّ، فيفتتح الديوان بمرجع معلّق لا يفكّه إلا المتن، كما يحجب الغزل العربي اسم المحبوبة صونًا لها.
وإذا قسناه بوظائف العنوان عند جينيت (التعيين والوصف والإيحاء والإغراء) وجدناه عنوانًا إيحائيًا مُغريًا بالأحجية، يقدّم استعارة ويُرجئ تفسيرها. أما السوار في التراث فمتعدّد الدلالة. فهو في القرآن زينة النعيم: «يُحَلَّوْنَ فيها من أساورَ من ذهب» (فاطر: 33)، وهو علامة سلطان في قول فرعون: «فلولا أُلقي عليه أَسْوِرةٌ من ذهب» (الزخرف: 53). وهو في الغزل زينة وقيد معًا. وفي «نشيد الأنشاد» (8: 6) يطلب العاشق أن يكون خاتمًا على القلب وعلى الساعد، فيكون الحبّ ختمًا وانتماءً. وعنوان ابن حزم «طوق الحمامة في الألفة والألّاف» يجعل الحلقة الماحوليّة رمزاً للألفة، وإن كان الاستدلال به هنا على مستوى العنوان لا على نصّ بعينه.
وتنقل عبارة الماحولي هذه الدلالات كلها نقلة لافتة: صار الجسد العاشق هو الحلية. ويحسن أن نقرأ تعالقًا مع قوله تعالى: «هنّ لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهنّ» (البقرة: 187)، على أنه تعالق يقترحه أفق القارئ لا قصدٌ نسبه الشاعر إلى نفسه. وفي هذا التعالق حدٌّ نُقرّ به، فالآية تبادل صريح، والعنوان ظاهره إضافتان متقابلتان، تملّك ثنائي لا تبادل. ولن يبلغ هذا التقابل صيغة التبادل إلا في نصّ الغلاف الأخير حين ينتهي بـ«لنا» و«هنا». أما «مِن» في «من حنين» فيمكن أن تُفهم بيانية، كالتي في «أساور من ذهب»، فيكون الحنين هو الخامة التي صُنع منها السوار.
وتأتي الصورة فتعمل في ضوء ما سمّاه رولان بارت في «بلاغة الصورة» التثبيت. فاليدان المتماسكتان في الصورة متعدّدتا الدلالة: قد تكونان مصافحة أو وداعًا أو استنجادًا أو عناقًا، والرسالة اللغوية، أي العنوان، هي التي تحصر هذا التعدّد في قراءة واحدة، فتجعل اليد سوارًا.
ويمكن أن نضبط هذه القراءة بثلاثية بيرس. فالصورة أيقونة لأنها تشبه ما تسمّيه، والقبضة على المعصم مؤشّر لأنها أثر ملموس لتلامس حقيقي، واليد في المصافحة والعهد رمز لأن دلالتها مواضعة ثقافية. وفي أعلى المعصم نقش زخرفي وخيوط ذهبية دقيقة. ويرجَّح أن النقش حنّاء العرس، وهي زينة نسوية في المشرق، لكنه ترجيح لا ينبغي أن يتحول إلى مسلّمة. وأما الألوان فتنتقل من أزرق ليلي في الأعلى إلى برتقالي وترابي دافئ في الأسفل، وقد تُقرأ انتقالًا من عتمة إلى ضوء، على أن هذه قراءة تقليدية لرمزية اللون غير ثابتة. ويلاحَظ أن الذهب لون العنوان وخيوط الصورة، وهو معدن الأساور في المرجع القرآني، فيتجاوب البصر مع الذاكرة النصية. ثم إن ذيول الياء الممدودة في الخط تحاكي في الكتابة ما يحاكيه العنوان في المعنى، فتنحني الحروف كما ينحني السوار.
وفي الغلاف الأخير ثلاث علامات متجاورة. تعود كلمة العنوان عموديًا بذهب باهت، فتصير لازمة بصرية تحيط بالكتاب من الجهتين. وتحتل صورة الشاعر أعلى الصفحة، بزيّ رسمي على خلفية بيضاء، وهي بلغة ميشيل فوكو في «ما المؤلف؟» وظيفةٌ تمنح الاسم وجهًا وتثبّت وجود مؤلف. غير أنها تكشف تباينًا في السجلّ بين صرامة الصورة الفوتوغرافية ورقّة الرسم المائي، من دون أن نستنتج شيئًا عن شخصية الشاعر.
ويحلّ في موضع المقدّمة النقدية مقطع شعري، وهو عرف شائع في النشر العربي. لكنه يحمل دلالة، لأنه يترك النص يتكلم أولًا. وتختم الصفحة أن الديوان من منشورات «منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحادة الثقافي»، نسبة إلى فضاء ثقافي محلي.
أما المقطع المثبّت على هذا الغلاف، فهو يوفّر أوضح مفاتيح الأفق. إيقاعه قصير سريع الخطى، يقترب من أوزان الغناء الشعبي. وتتردّد في بنائه الصوتي الدال في المقطع الأول («يدي، الغد، موعدي») ثم اللام في الثاني («القبل، الجبل، بل»)، ثم ينكسر الرويّ في السطر الرابع من كل مقطع إلى «لنا» و«هنا». هذا الكسر مشترك بين المقطعين، ويتزامن مع ضمير الجماعة وظرف المكان، فيُسمَع الاتحاد في الإيقاع قبل أن يُفهم بالمعنى. وفي الدلالة ثلاث ثنائيات متدرّجة. الأولى «لهم / لنا»، وهي تستدعي ما عُرف في الغزل العربي من العاذل والواشي والرقيب، فيُعلن العاشقان أنهما دائرة لا يعنيها كلام الخارج. والثانية «هناك / هنا»، وفيها ينقلب «أضحى التنائي بديلًا عن تدانينا» في نونية ابن زيدون، فبدل أن يحلّ البعد محلّ القرب يحلّ الحضور محلّ البعد، على أن «هنا» نفسها مفتوحة: قد تكون الوجدان أو المكان أو النص. والثالثة «أمسنا مثل الغد»، وهي مفتوحة على قراءات: حنين يتطلّع إلى المستقبل، أو تساوٍ في الحلاوة بين الزمنين، أو تساوٍ في الغموض. وفي المقطع الثاني تتحرّك الحلقة من اليد إلى القبلة: «لففتُ خصرًا بالقُبَل»، فالذي يطوّق الخصر هنا القُبَل لا اليد، ويصير السوار فعلًا لا معدنًا، وقولًا لا حلية. أما «سفحُه تحت الجبل» فيضع الجسد في مشهد جبلي، على نحو ما يتبادل الجسد والطبيعة الاستعارات في الغزل القديم.
وهكذا تعمل العتبات على فكرة واحدة بوسائط ثلاث. العنوان يصوغ الحلقة لغةً، والصورة ترسمها بصرًا، والنص يبنيها إيقاعًا ومعنى. وإذا كان التثبيت يربط العنوان بالصورة، فيمكن أن نمدّ إلى ما بين الغلافين مفهوم الترحيل عند بارت، فالنص يضيف إلى الصورة ما لا تقوله، أي الزمن والقُبَل والجغرافيا. ويظل هذا الامتداد قراءة مقترحة لا تطبيقًا حرفيًا للمفهوم. وبهذا يُنشئ الديوان قبل أن يُفتح عقد قراءة مع متلقيه: حبٌّ دائري مكتفٍ بذاته، صنعه الحنين وأتمّه الحضور، يتحدث بنبرة غنائية هادئة. ويبقى الخبر اليقين في قراءة القصائد نفسها، لا عند جهينة العتبات.

د. جوزاف ياغي الجميل
