كان الإنسان، في بدايات حكايته مع الاجتماع والعمران، يصنع أدواته ليحسن بها إدارة حياته؛ كان النظام، بمعناه البسيط، امتداداً لقدرة الإنسان على ترتيب حاجاته، وتسخير ما حوله من موارد لخدمة الانسان، يزرع الأرض ليأكل، ويبادل ما لديه بما يحتاج، ويقيم السوق لتيسير شؤونه، ثم يبني المؤسسات والقوانين والدول كي تصبح الحياة أكثر انتظاماً وأمناً.
كان الإنسان هو الغاية، وكانت الأنظمة أدوات في يده.
ثم مضى الزمن، واتسعت حاجات البشر، وتعقدت المجتمعات، وتشابكت المصالح، حتى نشأت أنظمة هائلة لا يستطيع الفرد أن يرى حدودها، ولا أن يحيط بمنطقها؛ أنظمة سياسية واقتصادية وتقنية وإعلامية، لكل منها ديناميكيتها الخاصة، وحساباتها، وأهدافها، وآلياتها التي تعمل في صمت، بينما يمضي الإنسان داخلها بوصفه عاملاً ومستهلكاً ومستخدماً ورقماً وبياناً؛ وهنا حدث التحول الهادئ.
الإنسان الذي أنشأ النظام ليخدمه، أصبح يعمل لكي تستمر المنظومة، ويستهلك لكي تدور عجلة الاقتصاد، ويتعلم وفق حاجات السوق، ويتواصل عبر منصات تعيد تشكيل عاداته واهتماماته، حتى غدا جزءاً من الحركة التي كان يظن أنه هو من يديرها.
وإنّ هشاشة البشرية في زماننا لا تكمن في ضعف الإنسان أمام الإنسان، بقدر ما تكمن في ضعفه أمام الأنظمة حين تدخل في صراعها الخاص.
نظام يصعد، وآخر يتراجع؛ منظومة تسود، وأخرى تتآكل؛ رؤية حضارية تحل محل رؤية، وقوة تعيد ترتيب موازين القوة، ثم يأتي زمن يتعب فيه السائد، فتتهيأ الأرض لنظام جديد؛ وفي كل دورة من هذه الدورات يبقى الإنسان في قلب المشهد، لكنه ليس بالضرورة في مركزه.
تتغير الخرائط، وتنتقل مراكز النفوذ، وتتبدل أدوات القوة، ويعاد تعريف المصالح والغايات، بينما يدفع الإنسان كلفة التحول من حياته، وأمنه ومستقبله وذاكرته.
هنا تصبح المأساة أكثر هدوءاً من أن تُرى دفعة واحدة: أن يتحول الإنسان من صانع للتاريخ إلى مادة في حركة التاريخ؛ ومن غاية تسعى الأنظمة إلى خدمتها، إلى أداة تساعد الأنظمة على تحقيق غاياتها.
ليس في الأمر حنين إلى زمن مضى، فقد كان الإنسان القديم أكثر هشاشة أمام الطبيعة، وأقل قدرة على حماية جسده من المرض والجوع والخوف؛ لكن إنسان اليوم، رغم كل ما امتلكه من معرفة وتقنية وقوة، يواجه نوعاً آخر من الهشاشة؛ هشاشة الإنسان الذي يعيش داخل منظومات ضخمة، ولا يملك دائماً القدرة على معرفة اتجاهها، فضلاً عن تغيير مسارها.
لربما تكون قيمة الوعي في هذه المرحلة أن يعيد الإنسان اكتشاف موقعه؛ فلا يرفض النظام، ولا يستسلم له، وإنما يتذكر دائماً أن كل نظام، مهما اتسع وتعاظم، إنما وُجد في الأصل من أجل الإنسان.
في التاريخ قد يستبدل نظاماً بنظام، والقوة قد تنتقل من يد إلى يد، والحضارات قد تتعاقب على مسرح العالم، لكن يبقى هناك شيء أعمق من حركة الأنظمة كلها؛ الإنسان الذي ينبغي ألا يفقد معناه وهو يعبر هذا العالم.
كما أنّ الأفق البعيد لا يحتاج إلى نظام جديد بقدر ما يحتاج إلى وعي جديد؛ وعيٍ يجعل الإنسان حاضراً في صناعة التحولات، لا مجرد أثرٍ عابرٍ في سجلاتها؛ ثم يمضي الزمن، ويبقى المعنى يبحث عن موضعه بين الإنسان والنظام، في تلك المسافة الخفية التي لا تُرى إلا حين يستيقظ الوعي.

( عماد عواودة ، ابو حازم ..
الثلاثاء ٠٦ أكتوبر ٢٠٢٦ ، قميم / الاردن )
