
د.أنطوان يزبك
لا نستطيع في علم النفس الحديث، أن نمرّ على الطبيب وعالم النفس الكبير سيجموند فرويد مرور الكرام، فهو كان وسيبقى المؤسس لعلم النفس التحليلي Psychoanalysis و مبتكره ، و واضع أسس دراسة الحياة النفسية وأمراضها المستعصية والخطرة .
لقد سبر سيجموند فرويد أغوار النفس البشريّة ، وكأنّه مستكشف قام برحلة في مجاهل النفس البشرية المجهولة وعاد مزوّدا بعلم جدّي وعميق وأسس صلبة، لبناء معرفة الذات والآخر من خلال التحليل النفسي .
لاقت مُكتشفاته في بداياتها اعتراضات جمّة و كذلك استحسانا وشقّت تعاليمه طريقها و اجتمع حوله عدد من المريدين ، تعرّض فرويد لنقد شديد ، حتى من قبل شركاء و زملاء أطباء ، في كل مكان من الكرة الأرضية وفي مختلف الحقبات الزمنيّة على اعتبار أنه حوّل الإنسان إلى كائن تحرّكه الغرائز .
بعد وفاة فرويد سنة 1939 انبثقت مدارس تحليل نفس عديدة مستوحاة من مكتشفاته وتطوّرت نظرياته ،و من بينها نظريات تراجعت أو عُدّلت بنسبٍ كبيرة ، ولكن يبقى هذا المفكر الكبير من خلال إنجازاته وكتبه، علامةً فارقةً في تاريخ دراسة كل ما له علاقة بالصحة النفسية ومشاكل الأمراض العقلية،التي يتعذّب جرّائها الملايين حول العالم ومع الوقت تزداد عملية الشفاء تعقيدا، وتصعب معالجة حشود البؤساء المسجونين داخل عقولهم المريضة يعانون من الألم الداخلي النفسي ويعيشون حياة شقيّة لا يحسدهم عليها أحد !

لا أستطيع في هذه المقالة المقتضبة، أن أذكر تفاصيل أكثر عن فرويد؛ فالكتب والمراجع تزخر بالمعلومات والتحاليل القيّمة عن أفكاره ونتاجه، ولكن سأحاول أن أورد بعض الأفكار التي قدّمها هذا العالم الفذّ، منها ما هو في صلب العلاج النفسي ومنها ما يتناول المسائل الحياتيّة والاجتماعية و العلاقات الإنسانيّة العامّة والأكثر حميميّة. من أقواله عن تحديات الحياة يقول فرويد:
إن لم تختر ما الذي تريده من الحياة ، فإن شخصا آخر سوف يختار لك ذلك.
هذه الخاطرة صحيحة جدا وتنطبق على الّذين لا يأخذون زمام حياتهم بيدهم، ويقررون مصيرهم كما يجب وكما يفيد مصلحتهم وديمومة صحتهم النفسيّة والجسديّة.
يقول فرويد أيضا بخصوص العلاقات العاطفية :
من أراد البقاء فابسط له قلبك، ومن أراد الرحيل فابسط له الطريق .
ويقول أيضا في السياق عينه: لا يمكنك أن تجد السعادة وأنت غارق في حديثك عن الألم.
تعدّ هذه النصيحة من النصائح المفيدة جدا ، للذي يعاني من مشاكل في الحب والعلاقات المتبادلة والذي يواجه الصدّ والمنع من الحبيب أو من الشريك ، إذ على الإنسان أن يستعمل المنطق ، ويحكّم عقله ولا يغلّب العاطفة على المنطق، وهنالك مقولة أخرى معبّرة جدا يقولها فرويد عن توالي الزمن الكفيل ببلسمة الجراح :
عندما تستعيد ذكرياتك في يوم من الأيام ، ستتفاجأ أن سنوات المشقّة كانت أجمل سنواتك .
كما لديه مقولة أخرى يعبّر فيها عن أهمية المحبة والتقدير لشخص الإنسان ، حتى يستمر في حياته:
كم يكون المرء شُجاعا عندما يتأكّد أنه محبوب .
تصل واقعية فرويد في نظرته إلى الحياة ، عندما يقول عن الإنسان:
نحن من لحمّ ودمّ ولكن علينا أن نعيش وكأننا مصنوعون من حديد!
هو بذلك يعكس ، صعوبة الحياة التي تطلب بإلحاح من الإنسان أن يتجلّد على عواطفه ويكبت مشاعره ويعيش كأنه رجل آليّ في هذه الحياة، حتى يستمرّ . علما إننا نعيش مثل كتلة كبيرة من العاطفة وهذا ما يجعلنا بشرا ، لكن للظروف أحكام وعلى الإنسان أن يتحوّل إلى مقاتل شرس لكي يواجه صعوبات الحياة !.
نجد في كلّ ما قاله فرويد جرعات كبيرة من الحقيقة ، وقد حفّز علم النفس على أن يخطوَ خطوات جبارة في معرفة ودراسة السلوك البشري بعمق و تخصصيّة علمية لا ريب في ذلك ، ولكن من ناحية أخرى ، أُخذ عليه أنه أغرق تعاليمه في الرموز والألغاز ، خاصة اقتباسه الميثولوجيا الإغريقيّة كونها مرآة للطراغوذيّا (التراجيديا ) والمغالاة التي فيها ، والتي حوّلت حياة الإنسان إلى سلسلة متّصلة من عقدٍ نفسيّة دفينة ، بيد أن فرويد لم يخلُ في شخصيته من الدعابة والمزاح كما يبدو في قوله :
هناك طريقتان لتكون سعيدا في هذه الحياة، الأولى أن تلعب دور الغبي والثانية ان تكون غبيّا ! . هذا القول ، هو بالفعل حكمة كبيرة ولو بدا مزاحا ، نصيحة تعطى للإنسان العاجز عن محاربة التنين والوحش في هذه المجتمعات العنيفة والعصابيّة والهدّامة وهي نصيحة لكل إنسان في زمن الصعوبات الكبرى وفقدان الوعي والمنطق و انعدام الشفقة ، فما عليه سوى ادّعاء الغباء كي تمرّ العاصفة !..
