(تقديم الأديبة إخلاص فرنسيس):
تقول شهرزاد:
“لم أنجُ من سلطة الموت لأنني كنت أشجع الناس، ولا لأنني امتلكت سيفاً أصدّ به، بل لأنني أدركت أن الموت الذي يسكن قلب شهريار لم يكن بحاجة إلى جلاد جديد، بل إلى حكاية توقظ فيه الإنسان الذي قتله الحزن. كنت أعرف أن الفجر عدوي وأن الليل وحده حليفي، فإذا أقبل الصباح توقف صوتي وبقيت معلقة بين الحياة والموت، أترقب ليلة أخرى لأروي ما لم أروه بعد. لم أواجه سيفاً بسيف، بل واجهته بالكلمة؛ جعلته ينتظر، والانتظار أول الشقوق في جدار القسوة. علمته أن الإنسان قد يخطئ، وأن الخيانة لا تعني أن العالم كله خائن، وأن امرأة واحدة لا ينبغي أن تدفع ثمن ذنب امرأة أخرى. كنت أزرع في لياليه أسئلة لم يجرؤ على طرحها، وأفتح أمامه أبواباً لم يعرف أنها موجودة، وكلما انتهت حكاية بدأت أخرى، حتى صار الذي ينتظر موتي ينتظر صوتي، وصار الذي أراد إسكات النساء يصغي إلى امرأة. أتدرون كيف نجوت؟ لم أطلب من الموت أن يرحل، بل جعلت الحياة تتسلل إلى قلبه، لكنني لم أنتصر بالكلمات وحدها؛ كنت خائفة أرتجف كلما سمعت وقع الخطى وأعرف أن حكايتي قد تكون الأخيرة، غير أن الخوف لم يمنعني من الكلام، بل جعل لكل كلمة قيمة. وهكذا أدركت أن النجاة ليست دائماً أن نهرب من السيف، أحياناً تكون بأن نمنع اليد التي تحمله من أن تهوي. أنا شهرزاد، وقد نجوت لأنني جعلت قاتلي يصغي إليّ حين نسي بعد ليلة أنه جاء ليقتلني”.
ومع ذلك، ثمة سؤال ظل يطاردني بعد نجاتي –تقول بالطبع شهرزاد المعاصرة، حارسة العدل والإنسان-: هل أنقذت نفسي حقاً، أم أنني قضيت ألف ليلة أعلم جلادي كيف يكون إنساناً؟
هذا التساؤل يتجلى برأيي في “وجهان ووجوه أخرى في حياتنا” للكاتبة الأستاذة الدكتورة درية فرحات؛ حادّ، ليس كل وجه نراه هو الوجه الذي يخفيه صاحبه، وليس كل ابتسامة دليلاً على المحبة، ولا كل صمت علامة على الرضا. في حياتنا وجوه كثيرة: وجه نطل به على الناس، ووجه نعود به إلى أنفسنا، ووجوه نرتديها حين نخاف أو حين نكتشف أن الصراحة في بعض الأماكن ثمنها باهظ. هناك من يمنحك وجه الصديق ويخفي خلفه حسابات العدو، وهناك من يبدو قاسياً وفي داخله قلب أتعبته الخيبات حتى تعلم أن يتظاهر بالقوة، وهناك من يجيد ارتداء الأقنعة حتى ينسى وجهه الحقيقي فلا يعود يعرف أهو ما يظهره للناس أم ما يخفيه عنهم! لكن الحكاية ليست دائماً حكاية منافقين وصادقين، فنحن أيضاً نحمل وجوهاً متعددة؛ نضحك حين نريد البكاء، ونقول “أنا بخير” حين تعجز أرواحنا عن شرح ما بها، ونسامح أحياناً لأننا نحب، وأحياناً لأننا تعبنا من الخصام، وأحياناً لأننا لا نملك رفاهية خسارة من نحب.
وكم من إنسان حكمنا عليه من وجه واحد ولم نمنحه فرصة اكتشاف الوجوه الأخرى التي صنعتها الحياة فينا! وكم من إنسان منحناه ثقتنا لأن وجهه كان مألوفاً، ثم اكتشفنا أن الألفة ليست دليلاً على الأمان، وأن طول العشرة لا يضمن صدق القلوب! ربما لا تكمن الحكمة في أن نكشف وجوه الآخرين جميعاً، ولا في أن نعيش متوجسين في كل ابتسامة، بل أن نتعلم التمييز بين الوجه الذي يطمئننا والفعل الذي يثبت صدقه، فالأقنعة قد تتقن الكلام لكنها تعجز طويلاً عن مجاراة الواقع.
في نهاية المطاف، لا تسأل كم وجهاً للإنسان، بل اسأل: أي وجه منه يبقى حين تنتهي المصلحة ويغيب الجمهور ولا يعود هناك ما يستحق التمثيل؟ فثمة وجوه تتغير بتغير المصالح. وكما زرعت شهرزاد في ليالي شهريار أسئلة لم يجرؤ على طرحها وفتحت أمامه أبواباً لم يعرف أنها موجودة، الليلة سنطلع من خلال القراءات التي يقدمها ضيوفنا على الأسئلة التي طرحتها الدكتورة درية فرحات في المجموعتين القصصيتين “أحكي يا شهرزاد” و”وجهان ووجوه أخرى في حياتنا”. وهذه بالطبع ندوتنا اليوم لمناقشة هاتين المجموعتين.
فأهلاً وسهلاً بكِ معنا دكتورة درية فرحات، وبضيوفنا، وبكل الحاضرين في غرفة 19، والمتابعين أيضاً عبر اليوتيوب. ضيوفنا الليلة الذين سنفتح معهم المجال والأسئلة هم: الدكتورة أمال بو حرب ومداخلتها بعنوان “من التصدي إلى البقاء.. قراءة وجودية في وجوه درية فرحات”، وأيضاً الدكتورة دورين نصر ومداخلتها بعنوان “المفارقة والوجازة في المجموعة القصصية وجهان ووجوه أخرى للدكتورة درية فرحات”، وأيضاً معنا ضيفنا الدكتور حمام محمد بمداخلة بعنوان “جمالية الاختزال والمدى الغرائبي في ديوان (مجموعة) وجهان ووجوه أخرى”.»
كلمة الكاتبة (د. درية فرحات):
استهلت الدكتورة درية فرحات كلمتها بتوجيه الشكر لـ “غرفة 19” والإعلامية إخلاص فرنسيس، وتناولت تأصيل الرمز ومواجهة التغيرات القيمية، مؤكدة على الربط البديع الذي أحدثته المقدمة بين المجموعتين:
- «أحكي يا شهرزاد»: تُشكل المرأة قيمتها المحورية؛ حيث ترمز شهرزاد التاريخية إلى الذكاء السردي الذي أنقذ جنسها من قسوة السلطة، لتغدو شهرزاد العصر المعاصر مطالبة بالتعبير الحرة عن الفكر والقيم والوعي.
- «وجهان ووجوه أخرى»: تنفتح على قضايا مجتمعية نقدية تناقش الفساد والتحولات الأخلاقية، مع الحفاظ على حضور المرأة والطفولة والتصاق الذات بالوطن والبيئة.
وكانت المداخلة الأولى مع (د. أمال بو حرب) بعنوان : «من التصدي إلى البقاء.. قراءة وجودية» حيث قدمت الدكتورة أمال بو حرب قراءة عميقة ارتكزت على الفلسفة الوجودية ومفهوم «تأجيل موت المعنى»:
- مواجهة اللامعنى: إذا كانت شهرزاد القديمة تحكي لتؤجل موت الجسد، فإن كتابة درية فرحات تحكي لتؤجل موت المعنى والروح وسط ضجيج العالم.
- الوجود يسبق الماهية (سارتر): تجلى ذلك في قصة “في الأربعين”؛ حيث ترفض البطلة اختزال ذاتها في عمرها البيولوجي أو أدوارها الجاهزة، لتثبت حضورها عبر الفعل والموقف.
- الحرية والمسؤولية: تتجسد الحرية في قصة “تعويض” بالتسمية الصريحة للألم وانكسار العلاقات كفعل حر يتحمل تبعاته الإنسان.
- القلق والهشاشة والعبث: أبرزت قصة “الهاجس” وعياً حاداً بالزمن والغياب، بينما كشفت قصة “موت عصفور” عن مواجهة عبثية الموت بتحويل الصمت إلى شهادة ساردة ترفض النسيان.
اما المداخلة الثانية فقدمها (د. حمام محمد) بعنوان : «جمالية الاختزال والمدى الغرائبي» حيث تناول الدكتور حمام محمد البناء الفني والمورفولوجي في قصة الوجيز (القصة القصيرة جداً):
- التشكل الخوارزمي والتناص: اعتبر السرد عند د. درية بمثابة “خوارزمية إبداعية” تجمع البيانات الواقعية والخبرات النفسية الباطنة لتصوغ منها ومضات مكثفة تحمل طاقة دلالية عالية.
- الباراسيكولوجيا والغرائبية: أشار إلى البعد الباراسيكولوجي وما وراء النفس، حيث تتجاوز المقطوعات القصصية السرد المباشر لتفتح أفق التكهن والتأمل الفلسفي لدى المتلقي (المعنى الثالث).
- التناقض المثمر: أشاد بمهارة الكاتبة في توليد الدلالات من خلال التناقض البناء والتكثيف اللغوي غير الميكانيكي.
اما المداخلة الثالثة ل (د. دورين نصر) بعنوان: «المفارقة والوجازة» حيث ركزت الدكتورة دورين نصر على جماليات التكثيف وإشكالية المفارقة:
- مأزق الإيجاز: بيّنت كيف يمنح الإيجاز قوة القطع للحدث، لكنه يتطلب براعة استثنائية كي لا يتحول النص إلى مجرد خطابة أو المباشرة.
- تحول موقع السلطة: في قصة “مصير”، تنقلب الآية ليصبح شهريار هو الباحث عن حبل النجاة، مما يستدعي ذاكرة القارئ ليشارك في إنتاج المعنى النصي.
- عتبات النص الأيقونية: حللت دلالات العناوين والكوكبات التسع في الكشف عن الوجوه المتعددة والتحذير من إطلاق الأحكام السريعة.
وأضافت الدكتورة مريم الهاشمي بُعداً تناصياً حول الرمزية التاريخية للمرأة، متسائلة عما إذا كان استدعاء شهرزاد في الأدب المعاصر يمثل إيماناً بقدرة المعرفة والسرد على النجاة، أم أنه هروب واعٍ من تعقيدات الحاضر وإخفاقاته إلى سحر التراث العربي.
ومن المتداخلين ايضا من طلاب الجامعة اللبنانية قدمت الباحثات الطالبات دراسات وقراءات تحليلية متنوعة تناولت الجوانب السيميائية، والبنيوية، والاجتماعية في مجموعاتها القصصية.
وفي مداخلتها بعنوان سيميائيّة الأمومة في القصّة القصيرة جدًّا “معادلة” بقلم الباحثة: منيرة جهاد الحجار تناولت الباحثة عدة نقاط:
- الإطار العام: تعالج الدراسة قصة “معادلة” (المأخوذة من المجموعة القصصية “وجهان”) من منظور “سيميائية الأهواء”، مبرزةً كيف تدمج القصة بين الألم والأمومة واليأس والأمل.
- الأمومة في ظل هوى الانتظار: تتمحور الشخصية الرئيسية حول حالة من الانتظار والثبات على مقعد هزاز، مراقبة للأطفال في بستان مجاور لتعويض حرمانها العاطفي وسد الفراغ الداخلي.
- الانتقال من الألم إلى الأمل: يمر الزمن بمرحلتين؛ مرحلة ألم ناتجة عن الانتظار الطويل، تليها لحظة تحول حاسمة عندما توجه الشخصية نظرها نحو شجيرات حقلها الخاص، منتقلةً بذلك من الحرمان إلى الاكتفاء الذاتي.
- الأمومة من قدر إلى اختيار: تتحول الأمومة في النص من قدرٍ مفروض إلى قرار واعٍ يعيد ولادة الذات، يتسع ليتجاوز إنجاب الأطفال ليشمل أفعال الخير والعطاء وحب الحياة، مبيّنةً أن السعادة قرار وليست مجرد ظروف.
اما الباحثة مريم محمود سرور فقد قدمت قراءة في مجموعة “احكي يا شهرزاد” وقصة “العجوزان” تناولت فيها النقاط التالية:
- المقدّمة والعنوان: تتناول المجموعة قضايا المرأة والوطن والمجتمع، حاملةً دلالة رمزية تستحضر شخصية “شهرزاد” التراثية كرمز للذكاء والمقاومة بالكلمة، مع مدّها ببعد معاصر يعبر عن هموم الإنسان عبر أقسام المجموعة الأربعة.
- الرؤية في قصّة “العجوزان”: وُظّف المنهج البنيوي التكويني (عند لوسيان غولدمان) لتحليل قصة “العجوزان” التي تصور واقع الانتهاك والمعاناة تحت وطأة الاحتلال في جنوب لبنان خلال الثمانينيات، مجسدة مأساة الإنسان الأعزل الذي يواجه العنف المسلح دفاعاً عن ذكرياته وأمله بعودة ابنه، لتبرز الخاتمة الدلالة الرمزية للتشبث بالأرض والذاكرة وتحويل المأساة إلى أفق جماعي للتحرر.
أما الباحثة مهى هاني المسلمي فقد تناولت في دراستها تمثّلات الأنوثة إلى مساءلة المجتمع في مجموعة “وجهان ووجوه أخرى”
- الأنوثة بين الذات والسلطة الاجتماعية: تناقش النصوص (مثل “رؤية”، “الضيف”، “خيالات”، “كظيم”، “مصير”) أن ضعف المرأة ليس صفة جوهرية بل نتيجة للقيود والإقصاء، مستعرضة التوترات بين الخضوع والصمت ومحاولات المقاومة.
- عبء الأدوار المفروضة: تسلط الضوء على التناقض بين الصورة المثالية للرقة والواقع الذي يحمّل المرأة أعباء ومسؤوليات تستنزف طاقتها (كما في قصص “سلاسل”، “حلم”، “قناع”، “انتظار”).
- العطاء وحدود التضحية: تبحث في طبيعة العطاء العاطفي والإنساني وكيف يتحول أحيانًا من اختيار إنساني إلى استنزاف للذات وخيبة أمل (عبر قصص مثل “مرسال”، “كلمات”، “أسرار”، “سراب”).
- من الذاكرة إلى إمكان التغيير: تستعرض إمكانيات المعرفة والعمل والأمل في تجاوز الخسارة وإعادة صياغة العلاقة بالعالم عبر قصص مثل “قراءة”، “حصاد”، “غروب”، “حياة”.
- التكثيف السردي: تؤكد المقالة على أهمية أسلوب الكاتبة القائم على التكثيف، المفارقة، واختيار التفاصيل الدالة التي تترك للقارئ مساحة للمشاركة في إنتاج المعنى.
في النهاية أكدت الندوة في ختامها أن الكلمة تظل النبراس الذي يحول الظلمة إلى ضياء، وأن السرد ليس مجرد أداة للتسلية، بل هو درع وجودي يصون الذاكرة الإنسانية ويحافظ على طهارة المعنى ضد الاندثار.
