
بقلم عماد عواودة ، ابو حازم ..
ليست الحضارات الكبرى مجرد صفحات مضيئة في سجل التاريخ، وإنما هي تجارب إنسانية تختزن في ثناياها أسئلة الحاضر، وتمنحنا فرصة للتأمل في طرائق تشكّل المجتمعات، وأسباب نهوضها، وقدرتها على استيعاب التعدد والاختلاف؛ ولعل الحضارة الأندلسية من التجارب التي تستوقف الفكر كلما اتجه إلى البحث في العلاقة بين الإنسان وهويته، وبين الجماعات المختلفة وإمكان اجتماعها في فضاء حضاري تتجاوز فيه المعرفة حدود الانتماءات الضيقة.
من هذا الأفق، يعود بي الخاطر إلى كتاب « زمان الوصل » للأستاذ الدكتور صلاح جرّار، وزير الثقافة الأردني الأسبق، لا بوصفه استعادةً لتاريخ الأندلس فحسب، وإنما باعتباره مدخلاً إلى تأمل منهج فكري وأدبي يستدعي التجربة التاريخية ليفتح منها نافذة على الإنسان، وعلى إمكانات التفاعل بين الثقافات، وعلى ما تستطيع المعرفة أن تصنعه حين تتحرر من أسر الأحكام المسبقة.
ما يستوقفني في هذا العمل ليس موضوعه وحده، بل الطريقة التي يُقدَّم بها؛ إذ تلتقي الكتابة الأدبية بالمعرفة التاريخية، ويتجاوز العرض حدود سرد الوقائع إلى استحضار الدلالات الحضارية التي تمنح الماضي صلته بالحاضر؛ وهنا تبدو قيمة المثقف الذي لا يتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للشواهد التي تؤيد أفكاره الجاهزة، وإنما بوصفه مجالاً للفهم وإعادة النظر واكتشاف المعاني التي ربما غابت خلف تراكم الروايات والأحكام.
إن هذا المنهج، في تقديري، يفتح باباً للتفكير في إدارة الاختلاف، وهي قضية تتجاوز الدعوة الأخلاقية إلى التسامح، لتلامس جوهر بناء الدولة والمجتمع؛ فالمجتمعات لا تتشكل من أفراد متطابقين في معتقداتهم وثقافاتهم ومصالحهم، وإنما من جماعات تتباين في مرجعياتها ورؤاها، وتلتقي، مع ذلك، في حاجتها إلى العيش المشترك وصيانة الكرامة الإنسانية؛ وليس التحدي أن نلغي هذا التباين، بقدر ما أن نمتلك من الوعي والمؤسسات ما يجعل الاختلاف مصدراً للإثراء، لا مدخلاً إلى الإقصاء والصراع.
وإنني أجد أن قراءة تجربة الدكتور جرّار تتيح لنا الاقتراب من مسألة أوسع من حدود الكتاب؛ مسألة المنهج الذي ينظر به المثقف إلى العالم؛ فالمثقف الذي يتسع أفقه للجميع لا يتخلى بالضرورة عن مرجعياته، وإنما يتحرر من الاعتقاد بأن مرجعيته وحدها تكفي لتفسير العالم، أو أن اختلاف الآخرين معه ينتقص من حقيقة ما يؤمن به؛ إنه يدرك أن المعرفة تتقدم بالحوار، وأن الأفكار لا تكتسب قيمتها من تكرارها، وإنما من قدرتها على تفسير الواقع، وإضاءة جوانبه المعتمة، وفتح مسارات جديدة أمام العقل.
إنَّ ما يمنح هذا المنهج أهميته أنه يبتعد عن تداول الأفكار المستهلكة التي استقرت في خطابنا الثقافي، حيث كثيراً ما نستدعي الماضي للاحتفاء به، ثم نعود إلى حاضرنا من دون أن نغيّر شيئاً في طرائق تفكيرنا؛ أما استلهام التجربة الأندلسية، فينبغي أن يتجاوز الحنين إلى زمن الوصل، ليصبح محاولة لفهم الشروط التي أتاحت التفاعل الحضاري، والعوامل التي عززته أو أضعفته، وكيف يمكن الإفادة من دروسه في مجتمعات تتنازعها الهويات والمرجعيات والمصالح.
هنا تبرز أهمية الانتقال من الفكرة إلى المشروع؛ فليس من الإنصاف أن نحمّل كتاب « زمان الوصل » ما لم يقدّم نفسه على أنه ينهض به؛ فهو، في قراءتي، أقرب إلى نواة فكرية تستحق أن يُبنىٰ فوقها، لا إلى مشروع نهضوي مكتمل الأركان؛ وفي زمننا، لم يعد بناء المناهج الحضارية الكبرى جهداً يستطيع عقل فرد، مهما امتلك من علم وخبرة وسعة أفق، أن ينجزه منفرداً؛ فالمشروع يحتاج إلى عمل مؤسسي منظم، تتلاقى فيه تخصصات التاريخ والاجتماع والفلسفة والقانون والسياسة والتربية، وتُختبر فيه الأفكار على ضوء الواقع، حتى تتحول الرؤية إلى منهج قابل للتطوير والتطبيق.
من هذه الزاوية، تكتسب تجربة الدكتور صلاح جرّار الأكاديمية والثقافية والسياسية دلالة إضافية؛ فقد جمع بين التخصص في الأدب الأندلسي والعمل الجامعي، وتولى أمانة وزارة الثقافة ثم حقيبتها الوزارية عامي 2011 و2012 ؛ وهذه التجربة لا تعني بالضرورة امتلاك مشروع جاهز لإدارة الاختلاف، لكنها تمنحه رصيداً يمكن أن يسهم في وصل المعرفة الثقافية بخبرة إدارة الشأن العام، وفي الانتقال من استلهام التجربة الحضارية إلى التفكير في شروط الإفادة منها داخل الدولة الحديثة.
فالدولة التي تكتفي بإدارة الاختلاف بمنطق التدافع تظل معرضة لأن يتحول التنافس فيها إلى صراع دائم على المكانة والموارد والشرعية؛ أما الدولة التي تمتلك رؤية حضارية، فتعمل على تنظيم هذا التدافع بالقانون، وتحقيق العدالة في الحقوق والفرص، وبناء ثقافة مواطنة لا تجعل الانتماء المختلف سبباً للانتقاص من قيمة الإنسان؛ وهذه ليست مهمة مثقف منفرد، وإنما مسؤولية مشروع تتبناه مؤسسات المعرفة والثقافة والتعليم وصناعة السياسات، وتتضافر فيه العقول من دون أن تُختزل في صوت واحد.
وربما كانت قيمة « زمان الوصل » أنه لا يكتفي بأن يضيف شيئاً إلى معرفتنا بالماضي، بل يضع بين أيدينا نواة فكرة تستحق أن يُبنى فوقها؛ فإدارة الاختلاف ليست اجتهاداً ثقافياً معزولاً، ولا مشروعاً يستطيع عقل فرد، مهما اتسع أفقه، أن ينهض بأعبائه منفرداً؛ إنها عمل تتلاقى فيه المعرفة بالتجربة، والفكر بالمؤسسة، والرؤية بإرادة تحويلها إلى واقع.
كما أنَّ الدكتور صلاح جرّار، بما راكمه من تجربة أكاديمية وثقافية وسياسية، يمتلك بعض الخيوط التي يمكن أن تصل بين استلهام التجربة الأندلسية وصياغة منهج معاصر لإدارة الاختلاف؛ غير أن الخيوط، مهما انتظمت في يد واحدة، لا تصنع نسيجاً حضارياً ما لم تتلاقَ حولها عقول أخرى، وتجد في المؤسسة فضاءها الطبيعي للنمو والاختبار.

هكذا، لا يعود السؤال متعلقاً بما قاله « زمان الوصل » وحده، وإنما بما يمكن أن تفتحه فكرته من أفق، حين تغادر صفحات الكتاب إلى فضاء أوسع، حيث لا تعود إدارة الاختلاف مجرد درس من دروس التاريخ، إنما احتمالاً لمشروع لم تتضح ملامحه كاملة بعد …
(الإثنين ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ ، قميم / الاردن )
