بقلم : عماد عواودة ، ابو حازم ..
ليست كلُّ الكتب تُقرأ ، فبعضها يُعاش، وبعضها يُستعاد، وبعضها يُوقظ فيك ما كنت تظنّه قد نام إلى الأبد؛ ومن هذا القبيل كتاب « زمان الوصل »، الذي يأتي إليك كصفحاتٍ متراصّة، وكأطيافٍ من حضارةٍ ما تزال تُلوّح من بعيد، كأنها تقول: إنّ الذي مضى لم يمضِ كلّه، وإنّ الذي انقضى لم يُغلق أبوابه تماماً، وإذا كان الأدبُ مرآةَ الروح ، فإنّ هذا الكتاب مرآةٌ لحضارةٍ كاملة، انعكست فيها الإنسانية في أبهى صورها، أنها قاربت الكمال، ولأنها عرفت كيف تُدير اختلافها ، وكيف تحوّل تناقضاتها إلى طاقةٍ خلَّاقة .
واضع الكتاب معالي الأستاذ الدكتور صلاح جرّار، رجلٌ من زمنٍ واسع ، فحين نُمعن النظر في سيرة الدكتور صلاح جرّار، لا نكاد نرى شخصاً واحداً، بل نرى أعماراً متراكبة في عمرٍ واحد؛ فهو ابن عام 1952، ولكنك إذا تتبعت أثره في الحياة، خُيّل إليك أنّه عاش أعماراً متعددة، لا زمناً واحداً؛ فقد نال الدكتوراه في الأدب الأندلسي من جامعة لندن، فاختار لنفسه مجالاً ليس سهلاً ولا قريباً، بل مجالاً يحتاج إلى صبر العارف، ونَفَس المحقق، وذائقة الشاعر، ثم مضى في هذا الدرب، حتى غدا من أعلامه تدريساً وتأليفاً وتحقيقاً في الجامعة الأردنية.
في بداياته، عمل المؤلف مدققاً لغوياً في جريدة الشرق الأوسط، وشارك في تقديم برامج إذاعية في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، وكأنّه منذ شبابه كان يسير على حدّين؛ حدّ اللغة الدقيقة، وحدّ الصوت الذي يصل إلى الناس، ثم من بعدها دخل معترك العمل العام، فتقلّد منصب وزير الثقافة في الأردن، وتولى مواقع إدارية وعلمية متعددة، وظلّ في كل ذلك لا يفقد صلته الأولى؛ صلته باللغة والفكر .

وفي ذات حوار، طُرح سؤالٌ بدا بسيطاً في ظاهره، عميقاً في جوهره: « من أين جاء الأستاذ الدكتور صلاح جرّار بكل هذا الوقت، ليكون في كل هذه المحافل وهذه الأماكن وهذه الكتب؟»، وهنا، لا يكون الجواب في حساب الساعات، إنما في نوعها؛ فثمة أناسٌ يعيشون الزمن عدداً، وثمة من يعيشونه معنى وفكرة، ومن عاش الزمن معنىً استطاع أن يمدّه باعاً طويلا، وأن يسكب فيه من ذاته حتى يغدو أوسع مما هو عليه زمانا ومكانا.
إن ذلك ليس وقتاً زائداً، بل هو حسنُ توزيعٍ للروح على الزم، وكأنّ الرجل لم يكن يكتب فقط، لكنه كان يعيش ما يكتب، ولذلك اتسع له العمر حتى بدا وكأنه أطول من أعمار كثيرة .
في كتابه موضوع حديثنا اليوم، «زمان الوصل»… حين تتحول القراءة إلى تشارك في العيش ، فهذا الكتاب لا يُفتح كما تُفتح الكتب التي اعتدنا عليها، فهذا الكتاب وكأنك تدخل به إلى قاعةٍ قديمة، تتردد فيها أصداءُ حضاراتٍ تعاقبت وتصافحت وتخاصمت، ثم عادت فتصالحت.
لغة « زمان الوصل » ليست زخرفاً لفظياً وحرفة محسنات بديعية، إنما جاءت كـ نسيجٍ من الفكر والوجدان؛ فيها رصانة العالم، وشفافية الشاعر، وسكينة الحكيم، وهي لغة تُقنعك دون أن تضغط عليك، وتُقاربك دون أن تتنازل عن عليائها، ومن روح الكتاب، ما يمكن أن نلمحه في هذه الفكرة التي تتكرر بين سطوره: « إنّ التفاعل الحضاري لم يكن ترفاً في الأندلس، بل كان شرطاً من شروط وجودها »، فالجملة هنا ليست سرداً تاريخياً مجرداً، لكنها جاءت مفتاحاً لفهم الكتاب كله.
وإذا ما دخلنا إلى موضوع الكتاب، نجده يتناول التفاعل الحضاري في الأندلس، بوصفه حالةً لها ميزات استثنائية، وبوصفه نموذجاً إنسانياً طاغيا، فهو يبيّن كيف استطاعت حضارةٌ أن تنشأ من تعدد، وأن تزدهر من اختلاف، وأن تُبدع من تنوّع.
وفي موضعٍ آخر من روحه الفكرية، يلوّح لنا بمعنى عميق؛ « إنّ الحضارات التي تنغلق على ذاتها، إنما تكتب بداية أفولها بيدها»، وهنا ينتقل الكتاب من وصف الماضي إلى مساءلة الحاضر وإشراكه في إنارة الفكر والحداثة.
اما في هيكلية الكتاب، فقد جاء الكتاب في صورة دراسات متكاملة، كل واحدة منها تضيء جانباً من جوانب الأندلس: في أدبها وفكرها، وعلاقاتها الثقافية، وصورتها في الوعي، وهذه الهيكلية تمنح القارئ حرية التجوال، فلا يقرأ الكتاب خطاً مستقيماً، لكنه دوائر متداخلة، كل دائرة منها تعيد تشكيل الصورة الكبرى.
أخطر ما في « زمان الوصل » أنه يُعرّفنا بأنفسنا قبل أن يُعرّفنا بالأندلس، فالكاتب لا يعود إلى الماضي ليبكيه ويندب مآلاته، إنما ليقيس عليه الحاضر، وكأنّه يضع بين أيدينا تجربةً إنسانية، ويقول لنا: « انظروا كيف كانوا، لتدركوا كيف يمكن أن تكونوا »، إنه يربط بين الفكرة والواقع، بين النص والإنسان، بين التاريخ والوعي، لذا يغدو الكتاب جزءاً من مشروعٍ أوسع؛ مشروع بناء وعيٍ يرى في الاختلاف فرصة لا تهديداً، وفي التنوع ثراءً لا انقساماً.
لعلّ الأندلس لم تكن مكاناً بقدر ما كانت فكرة، ولعلّ « زمان الوصل » ليس كتاباً بقدر ما هو سؤالٌ مفتوح؛
فهل نحن أبناءُ زمنِ وصلٍ، أم زمنِ قطيعة ؟، وهل نستطيع أن نعيد كتابة تلك التجربة، لا في الجغرافيا، إنما في الوعي
ولا في التاريخ، لكن في الإنسان ؟ ..
والأجدر بنا أن نسأل : « إذا كان رجلٌ واحد قد استطاع أن يصنع من عمره كل هذا الامتداد ، فكيف بأمةٍ لو أحسنت أن تُدير زمنها وادواتها، أيُّ أندلسٍ يمكن أن تُولد من جديد ؟
« هذا ما جَاد بهِ القلمُ ..

( عماد عواودة ، ابو حازم
الثلاثاء ١٤ نيسان ٢٠٢٦ ، قميم ، الأردن )