
د بهاء درويش
١- وسادتي
من قال إن الوسادة جعلت لإراحة الرأس والجسد؟ إذا كانت هي كذلك، فوسادتي من نوع آخر. وسادتي تجمع لي كل أشكال الفكر وتخبأها، حتى إذا ما وضعت رأسي، ألقت بها في رأسي مخاطبة إياها قائلة: تفضلي هذه أشياؤك. فتقول الرأس: هل هذا وقته؟ هلا حملتيها عني حتى وقت آخر؟ ظننتك أيتها الوسادة مكانا للراحة.
قالت الوسادة: إنها أفكارك ولكنها تحبني، فلا تظهر حتى تضع رأسك فوقي. لا حيلة لي في الأمر. ردت الرأس: لعنة الله عليك وعليها.
————-
٢- دائرة أين يبدأ طرفها
أنتمي لجيل كان من الصعب أن يظهر عدم الطاعة لكبريائه. لم يكن هذا مقبولا كثقافة سائدة، بل كان يعد إساءة أدب، يلقى المعترض لسببه استهجان الجميع. من هنا كان من الصعب مواجهة المجتمع الذي سيستهجن الشاب المختلف، فكنا درءاً لهذا الاستهجان نقبل ما يقال لنا مهما اختلفنا معه، فلم يكن أمامنا سوى الاعتراض داخلنا وكبح جماح أنفسنا وما ترفضه.
من هنا فكم تمنيت بسبب مواقف كثيرة كنت أرفض فيها بشدة رأي كبرائنا أن يأتي اليوم الذي أكون فيه في مرحلة عمرية لا يوجد فيها من يكبرني سناً وكم تعجلت العمر لأصل لهذه المرحلة، وعندما جاءت- أو يبدو أنها حلت الآن- وجدت نفسي أحن للعودة مرة أخرى لمرحلة الشباب، إذ ما أصعب التعامل مع الصغار: فكر مختلف وقيم مختلفة وجراءة قد تصل من البعض لحد التطاول حتى يصعب مع المؤدب منهم إقناعه ويصبح من الأفضل البعد عن المسيء الذي لم يتعلم أن الإساءة لمن يكبره سناً جرم لم يجد من يعلمه خطأه.
ترى هل أعلن فشلاً لصعوبة تعاملي مع من يصغرني، أم أعلن أن الزمان لم يعد زماني وأن الأفضل قبول الزمان الحالي على حاله، أم ماذا؟
وهكذا أحد فكري يدور في دائرة لا يعرف لها بداية أو منتهى
فكر يجعل الخوف من الاقتراب من الوسادة يزداد، إذ سيتمكن مني بالتعاون معها، وسيهزمانني كما هزمني الزمان.