
أنطوان يزبك
عندما بدأت الفلسفة تزدهر في أثينا وتتغيّر معالم الإنسانية والفكر البشري ويمتد تأثيرها حتى يومنا الحاضر، كانت الأفكار تتوجّه حكما وغالبا إلى نوع فريد من المعرفة وهو سبر أغوار الماورائيات .
بقي ذلك سائدا إلى حين قدوم سقراط وفطن هذا الفيلسوف إلى ضرورة فهم الذات الداخلية، فكان نزوح الفلسفة نحو علم جديد لا يقل أهمية عنها ألا وهو علم النفس .
قدّم الفيلسوف Socrates سقراط النصيحة المثالية لكلّ من يعاني من أزمة إدراك وتحديد الهويّة الذاتيّة .
وكانت (نصيحة – فكرة ) سقراط بسيطة جدا في بداية تشكّلها وهي تختصر على الشكل التالي :
” كيفية العثور على الهوية الذاتية”.
إن الصراع للعثور على إحساس بالذات هو جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية وهو مثل دعوة سريّة أو نداء باطني مجهول يصدح في براري النفس. ما يجعل كل شخص فريدًا ومميزًا هو موضوع أساسي وشيّق في علم النفس والفلسفة. لذلك تتواصل الجهود لفهم السلوك البشري بعلمية و موضوعية، فبحسب ال American Psychological Association (الجمعية الأمريكية لعلم النفس)، يتمّ تعريف الهوية من خلال جانبين رئيسيين:
الأول: «مجموعة من الخصائص الجسديّة والنفسيّة والعلائقيّة التي لا يشاركها الشخص بالكامل مع أي شخص آخر.»
الثاني: «مجموعة من الانتماءات (مثل العِرق) والأدوار الاجتماعية. تتضمن المفهوم الذي يعتبر أن الهويّة ليست سوى الإحساس بالإستمرارية، أي الشعور بأنّك الشخص عينه اليوم ، كما كنت بالأمس أو العام الماضي (رغم التغيرات الجسدية أو غيرها).»
تضيف الجمعية تحديداتها؛ أن الهوية تُستمد أيضًا من الإحساس بالجسد، وصورة الجسد، والشعور بأن الذكريات والأهداف والقيم والتوقعات والمعتقدات تنتمي إلى الذات.
في الماضي تناول الفيلسوف اليوناني سقراط صراع الإنسان مع الهويّة الذاتية ومعرفة النفس من خلال جملته الشهيرة: «اعرف نفسك» التي يقال أنه قرأها منقوشة على باب من أبواب معبد( دلفي).
على ماذا تقوم نصيحة سقراط حول الهوية الذاتية؟ بحسب سقراط، يبدأ مفتاح معرفة الذات حصرا من التفكير :
يقول بهذا الصدد: «لا أستطيع أن أعلّم أي شخص شيئًا. يمكنني فقط أن أجعله يفكّر. وعليه لكي تجد نفسك، فكّر بنفسك.»
في كتابه Socrates and Self-Knowledge، ( سقراط ومعرفة الذات ) يطرح المؤلف وأستاذ الفلسفة Christopher Moore كريستوفر مور ، نظريّة ملفتة؛ مفادها أن سقراط بنى فكرة «اعرف نفسك» من خلال طرح الأسئلة على الذات.
بحسب البروفيسور مور : «يمكن القول إن الشخص يمتلك معرفة ذاتيّة عندما يعرف حقيقة او حتى عبارة تشير إلى نفسه.»
و مع ذلك، لا يتطلب الأمر التأمّل الذاتي فقط. إذ يرى مور أن معرفة الذات تتحقق بشكل أفضل بمساعدة من الآخرين. حثّ سقراط، في نهاية خطابه الطويل من خلال فيدروس Phaedrus لـ Plato أفلاطون، صديقه على تكريس حياته لـ «الحب المصحوب بالحوار الفلسفي»، مضيفًا أن «معرفة الذات تأتي من خلال الحوار مع الآخرين، وهي شبيهة بمعرفة الآخرين.»
ويخلص مور إلى أن «المعرفة الذاتية عند سقراط تعني العمل على النفس، مع الآخرين، لتصبح الشخص” القادر” على معرفة ذاته، وبالتالي يكون مسؤولًا أمام العالم، والآخرين، ونفسه، فكريًا وأخلاقيًا وعمليًا.»
أما عن كيفية استحضار “سقراطك الداخلي” فهذا يرتبط بالتعامل الجدي مع دروس سقراط في الحياة الشخصية لفهم الذات بشكل أفضل وبطرق ووسائل متعددة :
«أن تعرف نفسك يعني أن تدرك أنك لا تعرف نفسك بالكامل. أي أن ندرك نحن البشر أننا في كثير من الأحيان لا نملك وصولًا مباشرًا إلى دوافعنا، ولا إلى ما يدفعنا حقًا للقيام بأفعالنا. إنها عملية مستمرة من التساؤل الذاتي على الطريقة السقراطية.»
ولتفعيل هذا التساؤل يمكننا أن نطرح الأسئلة التالية :
لماذا تعتقد ذلك؟ ( حسب كل ما يراه كل فرد ويعتقد أنه يناسبه )
هل من الممكن أنك تعتقد ذلك لسبب مختلف؟
هل من الممكن أنك تفترض أنك تقدّر شيئًا ما، لكنه في الواقع مجرّد عادة قديمة لم تُراجعها؟
هل من الممكن أن تعتقد أنك تستجيب لشخص ما، بينما أنت في الحقيقة تستجيب لصورة نمطية عنه؟
طبعا هذه ليست كل الأسئلة المناسبة والثابتة للحوار مع الذات، و ليست هذه الوسيلة الفريدة من نوعها، من أجل أن يفهم الإنسان ذاته ويقوم بجلاء كل الأسرار و إنارة الزوايا المظلمة التي تختبىء في حنايا الشخصيّة البشريّة الداخلية .
ثمة طرق أخرى ومنهجيّات عديدة لشقّ طريق المعرفة في الإنسان و أهمها الوعي الذي متى استعمل في جميع أطوَاره يصل الإدراك إلى نتائج عالية و مفيدة .
يبقى الإنسان في مواجهة تحديّات جديدة وطارئة على حياته النفسية في الصدمات والمشاكل و معاثر الحياة ،وحتى في الأشياء الإيجابية؛ لنأخذ مثلا الذكاء الاصطناعي و دخوله على حياتنا من دون استئذان واقتحامه مجال علم النفس ومدى جديّته في التعامل مع الإنسان وفوائده ومضاره على حدّ سواء هل بإمكان هذا الذكاء الفذّ حلّ مشاكل الناس النفسيّة وفي حال تمكن من ذلك هل يضمن الشفاء التامّ للجميع .
اليوم لدينا الذكاء الإصطناعي وفي الماضي كانت العرافة الأوراكل Oracle هي الموضة المسيطرة و ملجأ الناس الوحيد، في أيام سقراط وأفلاطون وأرسطو!
كان الملوك والحكام والسواد الأعظم من الناس يطرحون الأسئلة على المنجّمين والعرّافات (النفّاثات في العقد) وتأتي الإجابات على شكل أحاجي و ألغاز من علم الغيب والخرافات، فيفرحون بها و يسكرون بخزعبلاتها، وكان الزمن زمن نشوء الفلسفة والعقلانيّّة فكان العقل يساكن الخواء وأهل المنطق يجاورون البلهاء!
ختاما لا مندوحة سوى القول أننا لا نزال نعيش في ظروف مماثلة والصراع لا يزال هو هو: صراع بين العقل والخرافة ولكن بأساليب جديدة !