
بقلم : عماد عواودة ، ابو حازم ..
في الزوايا الهادئة من البيوت ، حيث تميل الأشياء إلى الصمت الطويل ، وتستقر الذاكرة على رفوفٍ لا يطالها الالتفات ، تختبئ حكاياتٌ لا تزال تنتظر من يوقظها ، ليست تلك الحكايات دوماً في الكتب الكبيرة أو السجلات الرسمية ، بل كثيراً ما تكون في ورقةٍ باهتة ، أو رسالةٍ قديمة ، أو صورةٍ اصفرّ لونها بفعل الزمن ، لكنها ما زالت تحتفظ بنبضٍ خافتٍ من حياةٍ مضت .
ومع كل صندوقٍ يُفتح على مهل ، ومع كل ورقةٍ تُقلب بحذر ، ندرك أن ما نظنه « مقتنيات شخصية » قد يكون في جوهره شظايا من تاريخٍ كامل ، لا يكتمل إلا بها ؛ فالتاريخ ، في عمقه الإنساني ، لا يُبنى من الأعلى فحسب ، لكنه يتشكّل من تفاصيل الناس العاديين ، من آثارهم الصغيرة ، ومن تلك العلامات التي تركوها دون أن يدركوا أنها ستبقى أطول مما توقعوا .
وفي هذا السياق ، لفتني ما كتبه الأستاذ حمادة الشرايري ، Hamada Sharairi ، وهو يستنطق قيمة الوثيقة القديمة ، وينبّه إلى خطورة ضياعها بين الإهمال والنسيان ، وإلى ما قد تحمله هذه الأوراق من ملامح أجيالٍ كاملة ، قد لا نجدها في أي مصدر آخر ؛ كان حديثه أقرب إلى دعوةٍ هادئة لإعادة النظر في علاقتنا بما نملك من موروثٍ مكتوم ، وإلى إنصاف تلك الذاكرة الورقية قبل أن تذروها العزلة أو يفقدها الزمن .
ومن هنا تتسع الدائرة شيئاً فشيئاً لنطرح سؤالاً لا يخلو من القلق : كم من تاريخٍ قريبٍ ما زال محبوساً في صناديقنا ، ينتظر من يراه لا كعبءٍ قديم ، إنما كصوتٍ أخيرٍ لزمنٍ يستحق أن يُروى ؟ .
ثمة أشياءُ صغيرةٌ في ظاهرها ، عظيمةٌ في أثرها ، لا تُدرك قيمتُها إلا حين يغيب حضورُها ؛ ومن تلك الأشياء هذه الأوراقُ الصفراء التي تنام في عتمة الصناديق ، وتُطوى في زوايا الخزائن ، كأنها أُوكلت إلى النسيان حارساً ، وإلى الغبار ستراً ، غير أنّها في حقيقتها ليست أوراقاً صامتة ، بل هي أفواهٌ مغلقة ، لو نُزعت عنها أختامُ الإهمال ، لنطقت بما عجزت عنه الذاكرة ، ولسردت من تفاصيل الحياة ما لا تسعه كتب المؤرخين .
إنّ التاريخ ، في جوهره ، ليس ذلك السرد الكبير الذي تصوغه الدول ، ولا تلك العناوين العريضة التي تحفظها المناهج ، بل هو نسيجٌ دقيق ، تُحاك خيوطُه من اليوميّ والبسيط ، من رسالةٍ خطّها جدٌّ على عجل ، أو صورةٍ التُقطت في لحظةٍ عفوية ، أو وثيقةٍ رسميةٍ كُتبت لواقعةٍ ظنّ صاحبها أنها شخصية ، كلُّ ذلك ، حين يُجمع ، يُعيد تشكيل الصورة الكبرى ، ويمنحها روحاً ، ويكسر جمودها .
ولعلّ أخطر ما يُهدد هذا النسيج ، ليس غياب الوثائق ، بقدر جهلُ قيمتها ، فكم من بيتٍ يحتضن في أحد أركانه صندوقاً قديماً تكدّست فيه أوراقٌ لا يلتفت إليها أحد ، وكم من خزانةٍ أُغلقت على ماضٍ كامل ، لأنّ أصحابها رأوا فيه عبئاً لا ضرورة له ، وهنا تكمن المفارقة المؤلمة : أنّ ما يُعدّ عند البعض فائضاً ثقيلاً ، قد يكون عند الباحثين كنزاً لا يُقدّر بثمن ، وأنّ ما يُلقى في سلة المهملات ، قد يكون سطراً مفقوداً من كتاب الوطن .
إنّ الوثيقة ، أيّاً كان حجمها أو موضوعها ، ليست مجرّد مادةٍ أرشيفية ، بل هي شاهدٌ على زمن ما ، تحمل في طيّاتها لغةَ العصر ، وملامح الناس ، وطرائق تفكيرهم ومخاوفهم وآمالهم ؛ ومن دون هذه الشواهد يبقى التاريخ ناقصاً ، أقرب إلى التخمين منه إلى اليقين ، وإلى الرواية الأحادية منه إلى التعدد الذي يُثري الفهم ويُعمّقه .
ليس من المبالغة القول إنّ كثيراً من سردياتنا المحلية ، وتراثنا القريب ، لا تزال رهينة هذه الأوراق المجهولة ، التي لم تخرج إلى النور بعد ؛ فالتاريخ القريب ، على وجه الخصوص ، لا يُكتب من الأعلى ، بل يُبنى من الأسفل ؛ من تفاصيل الناس ، من يومياتهم ، من آثارهم الصغيرة التي تُشكّل حين تتجاور لوحةً واسعةً لا يمكن لعينٍ واحدة أن تراها مكتملة .
هنا ينهض سؤالٌ ملحّ : ما الذي يمنع أن نُعيد النظر في علاقتنا بهذه المقتنيات؟ ، ولماذا لا تتحوّل بيوتنا إلى خزائن واعية ، تُدرك ما فيها وتُحسن حفظه ، أو تُسلمه إلى من يُحسن قراءته وصيانته؟ ؛ أليس في ذلك صونٌ لجزءٍ من ذاكرتنا الجمعية ؟ ، وأليس في إحياء هذه الوثائق إحياءٌ لأصحابها ، وإعادةُ اعتبارٍ لقصصهم التي كادت أن تُمحى؟ .
إنّ إخراج الوثائق إلى النور ليس كماليات ثقافية ، إنها مسؤوليةٌ أخلاقية ، لأنّ في كل ورقةٍ حكاية ، وفي كل حكايةٍ جزءاً من هوية ، وفي كل هويةٍ ملامح وطن ؛ وإنّ التفريط بهذه الأوراق ليس فقداناً مادياً فحسب ، إنما هو انقطاعٌ في السلسلة التي تربطنا بمن سبقنا ، وتشويهٌ للصورة التي سيرثها من بعدنا .
فهل نترك هذه الكنوز حبيسة العتمة حتى تذروها الأيام ، أم نمدّ إليها يد الوعي فننقذ ما تبقّى منها؟ ، وهل ندرك ، قبل فوات الأوان ، أنّ التاريخ لا يُكتب بما نعرفه فقط ، لكن بما نُحسن حفظه أيضاً ؟ ..
السبت ٢٥ نيسان ٢٠٢٦ ، قميم / الاردن )