بقلم: رزان نعيم المغربي
يتجاوز نبيل سليمان في كتابه “أوشام” السيرة الذاتية التقليدية، ويقفز فوق الترتيب الزمني المعتاد من الطفولة إلى الشيخوخة، ليخترق منطقةً أكثر مراوغة،يكتب في أوشام، سيرة الندوب التي صنعت الكاتب، يطرح العنوان مفتاح القراءة؛ فالوشم أثر باقٍ، وعلامة ثابتة، تتبدل معانيها بين الجمال والألم، وبين التذكار والعقوبة. يشكل الكتاب محاولةً للقبض على المتبقي في الجسد والذاكرة واللغة، بعد عبور النساء والبيوت والمكتبات والأجهزة الأمنية حياة الكاتب، تاركةً كل منها أثرها الخاصعلى حياته.
يفتح فصل “أوشامهن” بوابة الوعي الأول؛ فالمرأة هنا مدخل أساس لتكوين الهوية: سعاد، شفيقة، زلفى . تتحول النافذة في حكاية “سعاد” إلى مسرح الطفولة، حيث يقف الصبي أمام دهشة الحب واللغة والجسد والسينما . تتعالى النافذة عن وظيفتها المكانية، لتغدو أداةً سردية: منها يرى، وبواسطتها يتخيل، وعبرها يدرك أن الرغبة الأولى محكومة بالمسافة والحاجز والانتظار . يختم إغلاق النافذة وعياً مبكراً بالخسارة، وينهي مشهد حب صغير .
تمنح “شفيقة”، الأم، النص عمقاً شديد الإيلام، حيث تتماهى الأم بالحبيبة، والذاكرة بالغناء، والمرض بالطفولة. يخاطب الكاتب أمه مستعيداً إياها من الغياب، ومقاوماً موتها عبر الحكي. يجسد هذا المقطع كائناً اختبر القهر والزواج المبكر والضرة والمرض، وظل نبعاً للذاكرة السعيدة. يستدعي الكاتب عبارة كامو “اليوم ماتت أمي” لصناعة مفارقة: ميرسو يبدأ من برودة الفقد، أما نبيل سليمان فيرتكز على استحالة قبول الفقد؛ فالأم في هذا الكتاب أصل روحي للسرد.
تتسع الحكاية في “زلفى” من الذكرى العاطفية إلى المساءلة الأخلاقية. تتجلى زلفى حباً قديماً، ثم تستحيل ضميراً يواجه الكاتب بأسئلة القتل والخيانة؛ هل غادرها اختياراً للمدينة والوظيفة والكتابة؟. يرفض الكاتب منح نفسه براءةً سهلة، ويترك للذاكرة حرية التحول إلى محكمة، مما يرفع النص من حيز الحنين إلى فضاء المساءلة واتهام الذات.
يكشف فصل “أوشام البيوت” علاقة الكاتب بالمكان، حيث يعارض “جماليات المكان” لباشلار من داخل تجربته الشخصية. يظل البيت الأول عند نبيل سليمان منسياً، مما يفتح سؤالاً قاسياً حول هوية الإنسان الذي يفتقد بيتاً أول يعود إليه. تغدو السيرة بحثاً عن بيت مفقود؛ فتتوالى الأماكن: صافيتا، عامودا، الدرباسية، طرطوس، حلب، اللاذقية، البودي. يحمل كل بيت طبقات من التحول الاجتماعي والسياسي والعائلي. يبرز الأب “الدركي الخيال” بوصفه رجل السلطة الصغيرة والتنقل الدائم، يمنح الابن أول خريطة للبلاد وحكايات البلدات والقرى. يرث الابن عن أبيه الجغرافيا المروية؛ فالأب تحرك بحصانه، والابن يعيد الحركة ذاتها باللغة بين الرواية والسيرة والنقد.
تأتي “أوشام الأمننة” لتطبع أثر السلطة؛ حيث يتبدل الوشم من أثر حب أو قراءة إلى أثر خوف ومراقبة واعتداء. يكسر هذا الفصل انغلاق النص في النوستالجيا، ويضعه في مواجهة تاريخ اجتماعي وسياسي خشن. يضع حضور الرقة وحلب واللاذقية و حدود الذات داخل شبكة القمع السوري والعربي؛ فتبدو “الأمننة” وشماً جماعياً.
أما “أوشام المكتبة”، فيقدم الوجه الآخر للتكوين. يقول الكاتب متأثرًا بألبرتو مانغويل إن كل مكتبة سيرة ذاتية، ثم يترجم الفكرة إلى تجربته: المكتبة ليست مكانًا لعرض الكتبفقط.، إنما ماهي إلاصورة للذات وهي تتراكم. الكتبهي بمعنى ما صور، أصدقاء ومصائر ومفاتيح حياة. ومن يقرأ هذا الفصل يشعر أن نبيل سليمان لا يفصل بين الكاتب والقارئ؛ فالروائي في داخله وُلد من قارئ شره، والناقد وُلد من معاشرة طويلة للنصوص. المكتبة، بهذا المعنى، تعادل البيت الذي ظل يبحث عنه. فإذا كانت البيوت الأولى متحركة ومهددة ومفقودة، فإن المكتبة تمنحه بيتًا رمزيًا أكثر ثباتًا.
يكشف فصل الغناء الذاكرة السمعية: عبد الحليم، فيروز، شادية، التراث الشعبي. تشكل هذه الألحان بناء الزمن الداخلي، وتعد طريقة لاستعادة وجه أو مدينة أو لحظة مكسورة. تقود الأغنية إلى ذكرى، والذكرى إلى رواية، والرواية إلى مدينة، في تداعٍ يشبه الإيقاع الموسيقي
تكمن قوة “أوشام” في هويته الملتبسة: سيرة، ذاكرة، نقد ذاتي، تاريخ أمكنة، ومرآة لعصر . يعكس التشظي في النص معنى الكتاب؛ فالوشم يأتي متفرقاً، والذاكرة تتجاهل طابور من سلسلة طويلة لا تنتهي، حيث تصطف الحكايات من الطفولة مروراً بسيرة التكوين الأولى، إلى نجاحات وخيبات وانتصارات في العمل والحب والعائلة، نبيل سليمان أراد أن يقول من خلال تلك الإنتقائية المقصودة، أن السيرة الحقيقية تُكتب كما تعود الأشياء: ناقصة، متداخلة، مؤلمة، ومضيئة . يفتش الكاتب في جسده الرمزي عن آثار النساء والبيوت والقراءات والخوف، فتتحول السيرة إلى مساءلة طويلة لما فعلته الحياة به، وما فعله هو بمن مروا في حياته.

رزان نعيم المغربي: كاتبة وروائية وصحافية ليبية
