بقلم : عماد عواودة ، ابو حازم
بين البادية والمهجر ، وبين الذاكرة الشفاهية والقصيدة الحديثة ، تنشأ أحياناً معارك أدبية لا تكون غايتها الغلبة بقدر ما تكشف عن سؤالٍ أعمق : من أين تأتي الأفكار ؟ ، وهل يولد الشعر من فراغ ، أم أنّه امتداد خفيّ لصوتٍ قديم يعبر الأزمنة متنكراً في ثوب جديد ؟ .
في منتصف القرن العشرين ، شهد الوسط الأدبي العربي واحدة من أكثر المساجلات إثارة ، حين وقف المؤرخ والباحث الأردني « روكس بن زائد العزيزي » في مواجهة الشاعر المهجري « إيليا أبو ماضي » ، على خلفية قصيدة «الطين» الشهيرة ، التي رأى العزيزي أنّ جذورها تمتد إلى قصيدة بدوية أقدم لشاعر مغمور يدعى « علي الرميثي » ، ولم تكن القضية مجرد اتهام عرَضي ، بل تحولت إلى نقاش واسع حول التناص ، والذاكرة الشعرية ، وحدود التأثر بين الإبداع والاقتباس .
كان روكس العزيزي واحداً من أولئك الرجال الذين عاشوا أعمارهم وهم يجمعون شعاب الوطن من أفواه الناس ؛ لم يكن مجرد باحث في التراث ، لكنه كان أشبه براوٍ كبير يحمل ذاكرة الأردن الشعبية على كتفيه ؛ وُلد في مادبا سنة 1903 ، وعمل في التعليم والصحافة والتأليف ، وانشغل لعقود طويلة بتوثيق اللهجات والعادات والأمثال والشعر النبطي ، حتى غدا اسمه مرادفاً لحفظ الموروث الأردني الشفاهي ، وقد خلّف أعمالاً مرجعية مهمة ، أبرزها « معلمة التراث الأردني » ، و« قاموس العادات واللهجات والأوابد الأردنية» .
أما إيليا أبو ماضي ، فقد كان صوتاً مختلفاً في الشعر العربي الحديث ؛ شاعراً مهاجراً حمل همّ الإنسان أكثر مما حمل همّ المكان ، وغلب على شعره التأمل الفلسفي والنزعة الإنسانية ، هاجر إلى الأمريكتين ، وارتبط اسمه بالرابطة القلمية ، وأصبح واحداً من أبرز شعراء المهجر العربي ، بما امتلكه من لغة شفافة وروح متسامحة ونظرة متفائلة للحياة .
بدأت القصة حين نشر « العزيزي » دراسة وكتاباً بعنوان « فريسة أبي ماضي » ، رأى فيه أنّ قصيدة « الطين » التي تنسب لشاعر المهجر « ايليا ابي ماضي » ، ليست وليدة الخيال الخالص ، لكنها تستند إلى معانٍ وصور واردة في قصيدة بدوية أقدم للشاعر الشعبي « علي الرميثي » ؛ واستشهد « العزيزي » بمقاطع متقاربة في البناء والدلالة ..
يقول أبو ماضي في قصيدته :
« يا أخي لا تمل بوجهك عنّي
ما أنا فحمةٌ ولا أنت فرقد »
بينما جاء في القصيدة البدوية :
« يا خوي ما احنا فحمة ما بها سنا
ولا انت شمساً تلهب الدو بضياه »
ورأى « العزيزي » أنّ التشابه يتجاوز المصادفة ، خصوصاً أنّ البنية الفكرية للقصيدتين تقوم على المساواة الإنسانية ونبذ التكبر الطبقي ، وقد أثارت هذه الفكرة ضجة واسعة آنذاك ، وتبادلت الأطراف الاتهامات والردود الحادة عبر الصحف والمجلات الأدبية .
أنّ قيمة هذه المساجلة لا تكمن في إثبات السرقة الأدبية أو نفيها ، بقدر ما تكمن في أنها فتحت باباً واسعاً للحديث عن العلاقة بين الأدب الفصيح والموروث الشعبي ؛ وعن قدرة الشعر البدوي على إنتاج صور ومعانٍ عميقة قد تسبق أحياناً ما يظنه الناس حداثة خالصة .
لقد كان « العزيزي » مؤمناً بأن التراث الشفاهي ليس هامشاً ثقافياً ، بل هو خزان الوعي الجمعي للأمة ، ولذلك انصرف إلى جمع الأشعار والحكايات والأمثال من أفواه الرواة والبدو والعجائز ، مدركاً أنّ كثيراً من الكنوز الأدبية قد تضيع إن لم تجد من يلتقطها قبل أن يأكلها النسيان ، وربما لهذا السبب تعامل مع قضية قصيدة « الطين » بحماسة الباحث الذي يريد أن ينصف الذاكرة الشعبية ، لا بحماسة الخصومة الشخصية فقط .
لقد فتحت هذه القضية باباً واسعاً للتأمل في طبيعة الإبداع نفسه ، فكم من فكرة نظنها جديدة ، بينما هي في الحقيقة امتداد بعيد لفكرة أقدم ؟ ، وكم من شاعرٍ كبير حمل ، من حيث لا يدري ، صدى أصوات سبقته إلى المعنى؟ إنّ الأدب ، في جوهره ، ليس قطيعة كاملة مع الماضي ، إن هو حوار طويل بين النصوص والأزمنة والأرواح .
وحين تصاعد الجدل ، لم يقف إيليا أبو ماضي موقف المتفرج الصامت ، لكنه اندفع مدافعاً عن نفسه بعنفٍ واضح ، رافضاً الاتهامات التي لاحقته ، ومعتبراً أنّ ما قيل بحقه محاولة للنيل من أصالته الشعرية ومكانته الأدبية ، وقد حملت ردوده شيئاً من الحدة والانفعال ، خصوصاً أنّه كان يرى في قصيدة « الطين » تعبيراً صادقاً عن رؤيته الفكرية والإنسانية ، وفي المقابل ، ظلّ « العزيزي » ومؤيدوه متمسكين برأيهم ، مستندين إلى المقارنات النصية والتشابهات المعنوية التي رأوا أنها تتجاوز حدود المصادفة العرَضية .
لهذا ربما يصعب إصدار حكم نهائي قاطع في مثل هذه القضايا ؛ فالتناص جزء أصيل من تاريخ الأدب الإنساني كله ، وكثير من أعلام الشعر والفكر قد مرّوا ، بقصد أو من غير قصد ، عبر مناطق التماس بين التأثر والاقتباس وإعادة إنتاج الأعمال الادبية .
من اللافت أنّ هذه القضية تلتقي بصورة ما مع رأي عميد الأدب العربي طه حسين ، الذي أشار في « حديث الأربعاء » إلى أن الشعراء كثيراً ما يتأثر بعضهم ببعض ، وأن المعاني الكبرى لا تنشأ دائماً من فراغ ، بل تتنقل بين العصور والألسنة ، وتتغير صيغها وأساليبها دون أن تفقد جذورها الأولى .
ولعلّ هذا ما يجعل الحكم القاطع في مثل هذه القضايا أمراً عسيراً ؛ فالأدب بطبيعته قائم على التراكم ، واللغة نفسها ذاكرة مشتركة ، وما يكتبه شاعر اليوم قد يكون صدى بعيداً لما قاله شاعر مجهول قبل مئة عام أو يزيد ، دون قصد مباشر أو تعمد ظاهر .
إنّ كثيراً من أعلام الأدب ، قديماً وحديثاً ، قد وقعوا ، بوعي أو من غير وعي ، في منطقة التناص ، حيث تتجاور الأصوات وتتشابك الصور والمعاني ، فالإبداع لا يولد دائماً من العدم ، لكنه كثيراً ما يكون إعادة اكتشافٍ للمعنى الإنساني القديم ، ولكن بروح جديدة ولغة جديدة وظرف جديد .
وهكذا تبقى مساجلة « روكس العزيزي » و « إيليا أبو ماضي » أكثر من مجرد خصومة أدبية ومناكفة ؛ إنها نافذة تطل على سؤال الثقافة العربية الكبير : كيف نحفظ الذاكرة ، وكيف نقرأ أثرها الخفي في النصوص التي نظنها حديثة تماماً؟ ، وهل يمكن للشعر أن يتحرر حقاً من ظلال الذين سبقوه ؟ ، أم أنّ كل قصيدة جديدة تحمل في أعماقها همس قصائد أقدم منها عمراً ، وأبعد منها صوتاً ؟ .

( عماد عواودة ، ابو حازم ..
الجمعة ٠٨ أيار ٢٠٢٦ ، قميم / الاردن )
