
جمهورُ الفن التشكيلي قسمان حيال بيكاسو (1881-1973): قسمٌ يُحبّ في فنِّه تعدُّدَ الأَنواع وغناها، والقسم الآخر يَجده شَوَّهَ الوُجوه والأَجساد بأَشكاله الغريبة الصادمة. سوى أَنه، بين المعجبين والمنتقدين، ما زال يسير شُهرةً في الزمان، حاضرًا بثباتٍ من جيلٍ إِلى جيل.
في الحلقتيْن السابقتَيْن من هذه السُباعية، مهَّدتُ بنبْذةٍ عن نشأَة بيكاسو ومطالعه، ومجيئه من إِسبانيا إِلى باريس التي غيَّرَت في نهجه وأُسلوبه وكان لها تأْثير عليه، وما كان للمسرح والموسيقى من تأْثيرٍ على مسيرته.
في هذه الحلقة أَكشف مسيرته مع أَربع بين سائر النساء في حياته.
الفرنسية فرنانْدْ أُوليفييه (1881-1966)
الْتقَت بيكاسو باكرًا، بُعَيْدَ انتقاله إِلى”باتو لاڤوار” Bateau-Lavoir(حيّ الفنانين على تلَّة مونمارتْر في الدائرة 18 من باريس). كانت تعمل موديلًا للرسامين، وكانت أَنيقةً جدًّا وذات عذوبةً خاصة. وفيما كان يتلمَّس طريقه إِلى الأَجواء الباريسية، كان لفرنانْدْ أَثرٌ واضحٌ في معظم أَعمال بيكاسو الأُولى فترتئذٍ (نحو 75 لوحة)، بعنوان شبه وحيد: “الحلوة فرنانْدْ”. وله عنها منحوتُتُه التكعيبية “رأْس فرنانْدْ” (1909)، وهي المنحوتة الشهيرة التي باعها “متحف متروبوليتان” (نيويورك) سنة 2022 بمبلغ 48 مليون و480 أَلف دولار. وهو أَعلى رقم في مبيعات بيكاسو على الإِطلاق. استمرَّت علاقتهما ثماني سنوات (1904-1912)، وانفصلت عنه بعد اكتشافها علاقته بالفرنسية إِيڤا غويل.

الأُوكرانية أُولغا خوخْلُوڤا (1891-1955)
هي راقصةُ الباليه نجمةُ مسرحية “العرض” مع فرقة الباليه الروسية للمخرج الروسي الشهير سيرج دياغيليڤ (1872-1929). عرفها بيكاسو سنة 1917 إبان التمارين، وهو كان مصمم الملابس والديكور والستائر. تزوَّجها سنة 1918، وكانت محور أَعماله ومحور حياته العاطفية. رسمها في لوحات كثيرة، وغالبًا ما كانت تحت ريشته هالةَ إِلهةٍ أُسطوريةٍ، بأُسلوبٍ نيوكلاسيكي، جعلها مرةً مادونا إِيطالية، ومرةً جميلةً إِسبانية، وهي التي وَلَدَت ابنه الأَول بول (1921).انتهَت علاقتهما (1930) بعد اضطرابات زوجية متعددة متلاحقة جعلتْه يرسم لوحة “العارية في المقعد الأَحمر” (1929) بشكل تشويهي بشِع يعكس غضبه وتفلُّته من الحياة الزوجية، ودخوله علاقة نسائية جديدة.
الفرنسية ماري تريز والتر (1909-1977)
“منذ لقائِها الأَول، وجدتُني أَمام مَن كنتُ أَحلم من زمان بلقائها”. كان ذلك سنة 1927. لَفَتَهُ فيها باكرًا جسدُها الْكأَنه منحوتة، ووجْهُها الْكأَنه وجهُ تمثال جميل. لذا كانت له الموديل النموذجي. ولأَنه كان فترتئذ متزوجًا، أَخفى أَمر ماري تريز طيلة أَربع سنوت عن جميع مَن حوله. ولم يرسُمها باسْمها علنًا حتى سنة 1931 حين بدأَ اسمها يظهر في أَعماله رسمًا ونحتًا. سنة 1932 وَلدَت له ابنته مايا. تميَّزت لوحاته عنها بملامح جديدة في أُسلوبه، بخطوط وجهها، وبشَرَتها الزهرية، وتفاصيل جسدها. وبين أَبرز تلك اللوحات: “ماري تريز جالسة إلى النافذة” (1932)، و”عارية بين الورق الأَخضر” (1932). وهذه الأَخيرة بيعَت في مزاد علني سنة 2010 بمبلغ 106 ملايين و482 أَلف دولار لدى مؤَسسة “كريستيز” للمزادات الفنية.

الإِسبانية دورا مار (1907-1997)
كانت مصوِّرة فوتوغرافية سوريالية، ورسامة، وعالية الثقافة. دامت علاقتُهما معًا من 1935 إِلى 1945. قالت عنه إِنه “يغيِّر أُسلوبَه الفني، ونمطَ حياته، وأَصدقاءَه، وكلبَهُ، كلَّما دخل في علاقة جديدة مع عشيقة جديدة”. سوى أَنها كانت أَكثر من موحية وملهمة: كانت فنانة مرهَفَة، ومحاوِرَةً ممتازة في الأَوساط الثقافية. ولها فضل كبير على بيكاسو إِذ وثَّقَت بالفوتوغرافيا كاملَ مراحل وضْعه رائعتَه الخالدة “الغِرنيكا” (1937). ولوحاتُه عنها (منذ “امرأَة تبكي” – 1937) وما تلاها بين أَواخر الثلاثينات وأَوائل الأَربعينات، هي من أَهم أَعمال بيكاسو خلال فترة الحرب. ولوحاتُه عن وجهها الجميل لا تُعَبِّر عن هدوء علاقتهما وحسْب، بل الأَهم: كانت أَيقونة إِبداعاته الخلَّاقة إِبَّان أَهوال الحرب الشرسة المرعبة وضحاياها.
الحلقة المقبلة: ثلاثُ نساءٍ أُخْريات في حياته.

- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- المصدر: “أَسواق العرب”
