“الزمن الجميل”… هل كان جميلًا حقًّا؟ (32)

الكاتب مروان ناصح
كان البيت العربي القديم يشبه شجرةً عتيقة، تتفيأ الأجيال ظلّها، ويجلس الجدّ في قلبها كحارسٍ للذاكرة، ودفترٍ مفتوح للحكايات. لم يكن المسنّ يومًا عبئًا مؤجلًا، بل روح البيت ودفأه. لكن الزمن تغيّر، وتبدّلت العلاقات، فظهرت دور رعاية المسنين حلًا فرضته الحياة الحديثة. وهنا يبرز السؤال المؤلم: هل كان الماضي أكثر رحمة، أم أنّ الحنين وحده هو من يطرّز صورته بالضوء؟
– العائلة الممتدة… حين كان البيت قلبًا واحدًا:
كانت العائلة نهرًا واحدًا لا يتفرع كثيرًا. يعيش الجميع تحت سقفٍ واحد، يتقاسمون الخبز والتعب والطمأنينة. كان الجدّ جزءًا من تفاصيل اليوم، لا ضيفًا ثقيلًا على نهايته. أمّا اليوم، فقد بعثرت المدن أبناءها، وأصبح البيت الحديث أضيق من أن يحتمل ذاكرة كاملة.
– المرأة… من دفء الرعاية إلى صخب المسؤوليات:
كانت المرأة قديمًا تمنح المسنّ وقتها، كما تمنح الأم ظلّها لطفلها. أمّا اليوم، فقد ازدحمت حياتها بالعمل والمسؤوليات، حتى صار الوقت نفسه عملةً نادرة. وهكذا تحوّلت الرعاية من واجبٍ عائلي دافئ، إلى مهمة تحتاج إلى مؤسسات متخصصة.
– الطب الحديث… حين لا تكفي المحبة وحدها:
لم تعد الشيخوخة مجرد تعبٍ خفيف أو عصًا خشبية. اليوم، يحتاج كثير من المسنين إلى متابعة صحية دقيقة، ورعاية متواصلة، وهو ما يفوق أحيانًا قدرة الأسرة. لذلك جاءت دور الرعاية كحلٍّ طبيّ، وإن بقي القلب يبحث عن علاجٍ لا تمنحه الأجهزة.
– الاقتصاد… طاحونة العصر القاسية:
الحياة الحديثة تلتهم الوقت والأعصاب معًا. يعمل الجميع كي ينجوا من أعباء المعيشة، فتغدو رعاية المسنّ مسؤولية شاقة نفسيًا وماديًا. لذلك تلجأ بعض الأسر إلى دور الرعاية، لا نقصا في المحبة، بل هربًا من العجز.
– الوحدة… الصمت الذي لا يُرى:
في الماضي، كان المسنّ يعيش وسط الضحكات والأصوات، يشعر بأنه ما يزال جزءًا من نبض الحياة. أمّا اليوم، فحتى أكثر الغرف أناقة قد تبدو باردة، إذا غاب عنها صوت حفيدٍ أو لمسة ابن، فالوحدة مرضٌ لا يُقاس بالتحاليل.
– هل كان الماضي مثاليًا؟
ليس كل ما مضى ذهبًا؛ فقد عرف الزمن القديم قسوته أيضًا. لكن الفرق أنّ العلاقات كانت أكثر قربًا، وأن المسنّ كان يشعر بأنه ضرورةٌ لا فائضٌ عن الحاجة. المشكلة ليست في دور الرعاية، بل في برودة القلوب أحيانًا.
– نحو دفءٍ جديد:
لسنا في حاجة إلى استعادة الماضي، بقدر حاجتنا إلى استعادة روحه. يمكن لدور الرعاية أن تكون أكثر إنسانية، إذا بقيت العائلة حاضرة بالمحبة والاهتمام. فالمسنّ لا يريد أكثر من شعورٍ صغير، بأنه ما يزال موضع حبٍّ وامتنان.
-خاتمة:
ربما لم يكن الزمن الجميل جميلًا بالكامل، لكنه كان أكثر دفئًا في علاقاته الإنسانية. واليوم، يبقى امتحان المجتمعات الحقيقي، في الطريقة التي تحتضن بها كبارها؛ لأن الشيخوخة لا تحتاج سريرًا مريحًا فقط، بل قلبًا يتّسع للتعب القديم، والذكريات الطويلة.
