
د. أنطوان يزبك
تشتهر مدينة بيروت بصالوناتها الأدبية ومسارحها حيث تعرض الأعمال الطليعية المميّزة و منتدياتها التي لا تهدأ في كل الفصول ، هذه المحافل التي تغصّ بالمثقّفين و الأدباء والشعراء والكتّاب والمفكرين والصحفيين .
إلى جانب هذه الأماكن (المكرّسة والمقدّسة في عرف الأدب والذاكرة ) هنالك مكان ثقافي آخر بامتياز و هو ” المقهى” الذي نطلق عليه بالتعبير الشعبي[ قهوة] من باب تسمية الكل بإسم الشيء بحسب تعريف المجاز المرسل بالعلاقة الجزئيّة.
المقاهي، والتي يُعرَّف عنها في قاموس المدينة النابضة بالحياة بأنها قبلة هؤلاء الكتّاب والشعراء هي بدورها بمثابة البصمة التي تُعرّف عنهم ، وهم أيضا يتحفونها بشهرة حضورهم الجميل والراقي .
تعلّق الكاتب او الشاعر بالمقهى- ليس مجرّد تعلّق مردّه إلى المحاكاة وتقليد الشعراء والكتّاب، من الذين لا يزالون يعطّرون الأمكنة بعبير أفكارهم و يشرّفون المقاهي بحضورهم الحيّ في ذاكرة بيروت وكلّ مُحبّ للفكر والثقافة – بل إنّه تعلق يأتي من الحريّة التي يمنحها المكوث في مكان قدسي ومحايد في آن معا، للشعراء والكتّاب .
هو مكان حميم و علني على حدّ سواء ، فللمقهى خصوصية كبيرة كذلك هو مصدر للطاقة إذ يتحوّل إلى إلهام يحفّز الوعي الفردي الذي لا يلبث وأن يتماهى مع الوعي الجماعي في لعبة الإبداع والكتابة .
المقهى هو مكان رحب ولائق ويشبع غريزة حب الظهور لدى الكاتب والشاعر ، يؤمّن له خصوصيته ويريحه وفي الوقت عينه تحصل معه مصادفات لا تحصل عادة إلا في المقهى ومنها الصدف الحلوة والفكاهيّة ولكن ومع الأسف يحدث أن تحصل الصدامات المكروهة التي لا يمكن تلافيها، فتندلع شرارة الشجار وسوء التفاهم بين الروّاد، على اختلاف مشاربهم وثقافاتهم وانتماءاتهم ؛ خصوصا في أيام الحزبيّات وأزمنة الصراعات والحروب ولكنّها لا تلبث و أن تزول بعد تدخّل أبناء الخير و سعاة السلام و المصالحة!
ولا يبقى الشجار مهيمنا لمدة طويلة، إذ غالبا ما تتمّ ( الصلحة) سريعا وعربون ذلك فنجان قهوة أو كوب عصير!
في بيروت هنالك مقهى بحري مطلّ على خليج مار جرجس إشتهر منذ،ستينات وسبعينات القرن الماضي ، يقصده المفكرون والكتاب والشعراء ورجال السياسة بشكل منتظم حتى أصبح لكلّ فرد من هؤلاء طاولته الخاصة ، و كأنّ المقهى مجلس نواب أو قاعة ينعقد فيها اجتماع مجلس الوزراء، حيث المقاعد والحقائب مكرّسة لأصحابها …
من بين روّاد هذا المقهى و المداومين الأوفياء ؛ شاعر كبير من الجنوب ، سكن بيروت من عقود حين كان طالبا وفد إلى العاصمة ليدرس في دار المعلمين وبقي فيها منزرعا في المشهد الثقافي غارسا فيه طيبة جنوبه وعبقرية شعره ، مستوحيا منها المادة الأساسية لشعره و رصانة قلمه الفريد .
أما أنا فكنت محظوظا جدا عندما تعرفت إليه بعد أن التقينا صدفة في مكتب صديق مشترك، فقد أكرمني بصداقته وكان يخبرني عن يومياته والحوادث الطريفة التي كانت تحصل معه ومنها حادثة طريفة و مغامرة حميدة حصلت له ولكنها أفسدت عليه جلسته المعتادة في المقهى و عكّرت عليه مزاجه.
كان من عادة هذا الشاعر، أن يكون جالسا إلى طاولته المعتادة كل يوم في الساعة الخامسة بعد الظهر، دون أن يتغيب ولو يوما واحدا في الأسبوع. هذه الجلسة كانت طقسا من طقوس حياته تساعده على التركيز والكتابة اليومي : كتابة قصيدة أو جزء من قصيدة أو مقالة أو أي شيء آخر يعمل عليه فإذا لم يتسنّ له أن يجلس هذه الجلسة، فسدت حياته و خرب عليه نهاره وقامت الدنيا ولم تقعد !
ذات يوم وهو في جلسته المعهودة يكتب، مرّت بمحاذاة طاولته حسّناء مغوية، تمشي مشية (حنجلة )، حسناء باهرة لها محاسن ومفاتن لا توصف ، ترتدي تنورة قصيرة وقميصها حاسر ، نظرة واحدة إلي القميص المشقوق كفيلة بجندلة أعتى الفرسان عن جيادها، ولا يخرج من غوايتها بطلٌ إلا وهو خاسر .
جلست الحسناء إلى طاولة بمواجهة صديقنا الشاعر الكبير، وأخذت تقذفه بنظرات من عيونها العسليّة، نظرات خرافية تقطّع القلب وتجعل الملحد يؤمن بالحقيقة الإلهيّة.
حين كان صديقي الشاعر يخبرني عن حسنها أردت أن أستفهم منه أكثر ، فقلت له صِف لي جمالها ولماذا فعلَ في نفسك كلّ هذا الفعل، فقال لي :
يا صديقي “الصغير “( كنت في العشرينات من عمري آنذاك ) كيف أقول لك ذلك ….لو رمقتك بعيونها ستشعر أن نظراتها قادرة بلهيبها أن تذيب الثلج المتراكم على قمّة جبل ايفرست، وتجعل الثلج أيضا من ناحية أخرى يقضي على حرّ خط الإستواء و يجمّد سواقيه كما لو أنّه استلّ برودته من القطبين الشمالي و الجنوبي !
وصل ضيق الشاعر إلى ذروته حين لم يتمكن في حضور المغوية الفاتنة من الفراغ من كتابة القصيدة التي كان يجهد في كتابتها منذ أيام ، ولم يجسر على الاقتراب منها أو دعوتها لمجالسته ، فكرامته و رجولته لا تحتملان الصدّ والمنع، ماذا لو خيّبته أو زجرَته فهو يأنف من البهدلة وشعاره { أموت ولا يبهدلني أحد } ولو أنّه كان متحفّزا للانقضاض على الجميلة كما الضيغم الذي ينقضّ على فريسته في الغاب بيد أنه تمالك نفسه وأعمل العقل محلّ الاندفاع والطيش والميل الشبقي الأرعن .
بعد أن شعر بالضيق الشديد و أنه وصل الى حائط مسدود، فلا كتب القصيدة التي كانت تؤرّقه من أيام ولا استطاع إلى الحلوة سبيلا ضاق صدره فجأة ونذير أتاه من عدم مجهول: ألا قمْ وامشِ …
هبَّ واقفا و أخذ يجمع أوراقه المتناثرة والصحف التي ابتاعها قبل الوصول إلى القهوة متهيئا للمغادرة ، شاهده النادل فهرع إليه و بادره : بجبلك الحساب أستاذ… !
أجابه مقاطعا: لا لا..مستعجل بدي فلّ زيدن عَ فاتورة بكرا …
رافقه النادل نحو الرواق القصبي الذي يؤدي إلى الشارع وهو يتمتم : بأمرك أستاذ …شرفت أستاذ أهلا وسهلا، أهلا وسهلا …
لم يكد يصل شاعرنا إلى منتصف الرواق حتى فوجىء بأحد القادة الأمنيين يقتحم المقهى اقتحاما مع مجموعة من مرافقيه و يتّجه إلى طاولة الحسناء ، و التي حين لمحته مقبلا نحوها ، هرعت إليه و عانقته عناقا حارّا ، ليتبيّن أنها صديقته التي كانت تنتظر قدومه !
وصل الشاعر إلى الطريق منذهلا، مصدوما و ارتعاشات كدبيب النمل تهاجم جسده ، لا يعرف أي صلاة يتلو أو كيف يشكر النعمة الإلهية، ماذا لو لعب الشيطان في رأسه وأقدم على مغازلة الحسناء وضبطه عشيقها بالجرم المشهود لكان الآن منطرحا أرضا يتألم تحت لكمات و ركلات المرافقين يذيقونه العذاب و الهوان ألوانا …
تأبّط الصحف و أوراقه و مشى قليلا والتفت إلى سيارة تكسي تمشي الهوينا : ع شارع جاندارك !
فبادره السائق : تفضل استاذ ع راسي . أقفل باب السيارة وانطلق به السائق عائدا إلى البيت يحاول أن يستحضر الأحداث التي حصلت معه فلا يجد رابطا منطقيا لها، ففضل الانكباب على قراءة ديوان شعر صدر حديثا لواحد من أصدقائه ، كان يتردد في قراءته منذ أسابيع و صوت يقول في سريرته : لعلّ القصائد تعوّض في جماليتها ما لم يصل إليه من جمال الحسناء !!…
