
د.أنطوان يزبك
يقول شمس التبريزي :
“نعتقد أنه يرانا من فوق بينما هو يرانا من الداخل” .
وقول شمس التبريزي ينمّ عن عقيدة ثابتة أن الروح التي فينا كفيلة بتبديد كلّ هذا الظلام الذي يحيط بنا ، ظلام هذا الكون الشاسع والألغاز التي لا نجد لها معنًى أو حتى نتوصّل إلى حقيقة ما ، كفيلة بأن تميط اللثام عن أمور كثيرة نجهلها ،قد تكون مادية بالكامل مع أنني أميل دائما إلى الاعتقاد بقوّة الروح …
وعليه ، تبيّن الأبحاث العلميّة اكتشافات ما بعدها اكتشافات ومنها الخلاصات التالية :
يُنتج الدماغ مجالًا كهرمغنطيسيًا قابلًا للقياس عبر التيارات في الخلايا العصبية، وعند تفاعل دماغين، يتزامن نشاطهما (يظهر ذلك التصوير الفائق للدماغ)، وهي ظواهر موثّقة من خلال تخطيط كهربية الدماغ (EEG) وتخطيط مغناطيسية الدماغ (MEG). ف
الدماغ والكل يعرف ذلك الآن يملك طاقة كهرباء و طاقة مغناطيسية ، هو فعّال و نشط إذن ماديًّا ! .
هل سنتمكن يوما من استعمال طاقاتنا بالشكل المفيد لأجل الخير و خدمة الإنسان؟
نشر ماركو كافاليا و توماسو فيرو وجاك توزينسكي في الدوريّة العلميّة “بيوسيستمز” النظرية المعروفة بـEMI التي تفترض أن الوعي ينبثق من رنين هولوغرافي بين الأغشية الخلويّة والماء الدماغي والحقول الكهرمغنطيسية الأرضية، لكن لا توجد أي تجربة تؤكد ذلك حتى الآن.
بين الحقيقة المثبتة بأن الدماغ يصدر مجالًا قابلًا للقياس، والأطروحة التكهنيّة عن وعي هولوغرافي، هناك قفزة هائلة، على عكس قانون الجذب الذي يفتقر إلى أي آلية قابلة للدحض.
وعليه نقول التالي ؛ من خلال طرح أسئلة تدور في خلد الجميع :
هل سبق أن انجذبت إلى شخص ما في ثلاث ثوانٍ؟ أو كرهت وجهًا من النظرة الأولى دون أن تعرف السبب؟ وفقًا لموقع “بوبيولار ميكانيكس”، فذلك يعود إلى الحقول الكهرمغنطيسية .
خلف الدراسة التي ينقلونها، يعتقد طبيب التخدير ماركو كافاليا وتوماسو فيرو، بمساعدة عالم الفيزياء الحيوية جاك توزينسكي وفريقهم من معهد بوليتكنيكو تورينو، أن هنالك نوع من الشكل غير المرئي الذي يربطنا بعقول الآخرين، كهوائي لاسلكي يلتقط محطة عبر الأثير .
لكن قبل أن نصنّف هذا الاكتشاف ضمن قانون الجذب، لنحاول تحليل هذا الطرح .
نبدأ أولا بما هو معلومات راسخة و متداولة لدينا، ينتج الدماغ مجالًا كهرمغنطيسيًا أجل ، يحدث ذلك في خلايانا العصبية التي تجري فيها تيارات باستمرار. وبما أن عددها بالمليارات وتفعل ذلك بإيقاع رتيب نوعا ما، فإنها تولّد مجالًا قابلًا للقياس تمامًا.
هذا بالضبط ما تظهره أجهزة تخطيط الدماغ أو تخطيط مغناطيسيّة الدماغ في أي مستشفى. كما نستطيع قياس ما يُسمى بالتزامن بين الأدمغة. ضع شخصين في تجربة تصوير فائق للدماغ، وخلال لحظة مشتركة، كمحادثة أو حفلة موسيقية، يتطابق نشاطهما الدماغي. هذا مُقاس ومنشور وقابل للدحض لأن هذا هو مبدأ العلم ، كل شيء يمكن أن يُشكك فيه في أي وقت إذا ظهرت اكتشافات جديدة . لا يوجد مسألة سحريّة في ذلك إذن.
هذا إذا صحّ التعبير ، هو الفرق الجوهري بين قانون الجذب ومجموعة بلّورات الشفاء المصاحبة له التي ينصح بها أتباع “العصر الجديد ” New Age ربما هي صحيحة وربما لا ولا تعدو أن تكون من باب الهذيانات والاستهلاك الدعائي والاعلاني كما كل شيء آخر في السوشيال ميديا في أيامنا ، لكن حتى الآن لا يوجد فيها أي إثبات علمي.
أما الحقول الكهرمغنطيسية الدماغية، فهي تيار فيزيائي، و الآلات تنجح في التقاطها .
يبقى السؤال هل يمكن اختبارها ورؤيتها وتطويرها و حتى تكوينها أو تطويعها و تسخيرها لخدمتنا ؟ والحال أن لدينا من جهة علم الفيزياء حيث يمكن النقاش مستعملين المعادلات، ومن جهة أخرى لدينا ما يعادل برجًا فلكيًا شاهقًا. هذه هي الهوّة التي تفصل، مثلاً، بين فك شيفرة حديث داخلي حقيقي لمريض باستخدام أقطاب كهربائية، وبين ادعاء قراءة الأفكار .
صنع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا خوذة تخمّن الكلمات التي تنطقها في صمت، فقط من خلال قراءة إشارات عضلاتك، هذا ما كنا نشاهده في أفلام الخيال العلمي أو مغامرات العميل السرّي جايمس بوند وروايات جون لوكارّيه الجاسوسيّة ، أيّام الحرب الباردة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكيّة .
لكن لا ينبغي أيضًا أن نسخّف هذه الدراسات ، لأنه خلف العنوان الجذّاب والذي قد يظنّه البعض محض خيال ، هناك عمل حقيقي وجدّي.
نشر كافاليا و فيرو و توزينسكي طرحهم الذي سموه EMI (طاقة-كتلة-معلومات) في مجلة محكّمة حقيقية، “بيوسيستمز”. وفكرتهم هي أن الوعي، في رأيهم، لا ينبع فقط من توصيلات خلاياك العصبية، بل من ظاهرة حقلية. باختصار نصل الى التالي : أغشية خلاياك، والماء والسائل الذي يغمر دماغك، تشكل وسطًا قادرًا على تخزين المعلومات بطريقة تشبه الهولوغرام، وهذا المجموع كله يدخل في رنين مع الحقول الكهرمغنطيسية المحيطة به، حتى حقل الأرض نفسه. تجربتنا الواعية ستكون الموسيقى الصادرة عن هذا الرنين…
إذن، وفي خلاصة الأمر ؛ هل قانون الجذب مثبت علميًا؟ من الصعب الجزم، لأن النشر في مجلة محكّمة لا يعني بالطبع أنه مثبت… بل يعني فقط “أنه يستحق المناقشة”. وبين فكرة أن “الدماغ يصدر مجالًا قابلًا للقياس”، وهي حقيقة، و”الوعي هو رنين هولوغرافي مع الكواكب”، وهي أطروحة هؤلاء العلماء ، هناك قفزة تأمّلية هائلة ، إذ يستقي طرحهم فكرته من التماسك الكمومي، واهتزازات الأرض، ونظرية الأنظمة، لكن حتى الآن لا توجد أي تجربة تؤكّده. إذن، هذا ليس اكتشافًا بعد بكل ما للكلمة من معنى …
علاوة على ذلك، ليس هناك من جديد في هذا المجال ، فمنذ ربع قرن، لا يزال الباحثون مثل جون جو ماكفادين ، يطرحون نوعًا من نظرية الوعي المحمولة من خلال الحقل الكهرمغنطيسي ، لكنها تظل مع ذلك ضعيفة للغاية في عالم العلم لأنه من السهل نقدها وذلك لأن المجال الناتج عن خليّة عصبيّة واحدة أضعف من أن يؤثر على جيرانها غير المرتبطين بها.
على أي حال، لا يزال العلم يحاول فهم كل هذا الغموض المحيط بمفهوم الوعي، والذي يتعاون بالفعل مع الذكاء الاصطناعي المزعوم ، الذي يدّعي بعض العلماء أن الحلّ بيده لكن هنا، يجب بالطبع الاعتراف بأن لدينا ، علمًا حقيقيًا قابلاً للقياس ولكن يجب أن نَحذر من شرك الكهرمغنطيسية فقد تجذبنا إلى أماكن لا نستطيع العودة منها ، صحراء الجفاف النفسي والعاطفي .
يقول شوبنهاور :
“الوعي يجعلنا غرباء في عالمنا فالجهل يوفّر لنا المأوى و المألوف .”
والمقصود هنا بالمألوف ، ال comfort zone منطقة الراحة التي لا يحب أحد أن يبارحها ويكتشف العوالم الخارقة التي تخفي الكثير و المثير !
