د. جوزاف ياغي الجميل
“بين السّطور… قراءات نقديّة في فن السّرد” للدّكتورة درية فرحات… من هندسة الحكاية إلى ثقافة الإنسان
د. جوزاف ياغي الجميل
ليس الكتاب النّقديّ الحقيقي كتابًا يقف خارج النّص، يراقبه من علٍ، ثم يصدر حكمًا نهائيًّا عليه، كما ليس هو ذلك الكتاب الذي يحوّل الأدب إلى حقل لاستعراض المصطلحات والمناهج. إنّ النّقد، في جوهره الأعمق، فعل اقتراب؛ اقتراب من النّص بقصد الإصغاء إليه، لا إخضاعه، واكتشاف ما يقوله وما لا يقوله، وما يظهر في لغته وما يتوارى خلفها، وما تكشفه بنيته وما تستبطنه ثقافته. فالنّاقد الحقيقيّ يحاول أن يرى كيف أصبح النّص على ما هو عليه، ولماذا اختار الكاتب هذه الشّخصيّة دون تلك، وهذا الرّاوي دون غيره، وهذا الزّمن دون سواه، وهذا المكان دون غيره، ولماذا تكلّمت شخصية وصمتت أخرى، ولماذا استُعيد الماضي في لحظة بعينها، ولماذا أُغلقت الحكاية أو تُركت معلّقة في فضاء الاحتمال.
ومن هنا يمكن مقاربة كتاب الأستاذة الدّكتورة دريّة فرحات، “بين السّطور: قراءات نقديّة في فنّ السّرد”، بوصفه مشروعًا نقديًّا يتجاوز حدود القراءة التّقنيّة للسّرد، إلى أفق أوسع تتقاطع فيه السّرديّات مع التّأويل، والنّص مع الثّقافة، والجماليّات مع الفكر، والذّاكرة مع التّاريخ، والفرد مع الجماعة، والحكاية مع سؤال الإنسان.
إنّ أهمية هذا الكتاب، كما توحي مقدمته، تنبع أوّلًا من وعي واضح بضرورة الجمع بين النّظرية والتّطبيق. فالنّظرية لا تُستدعى لتكون سلطة جاهزة فوق النّص، والتّطبيق لا يتحوّل إلى مجرد تمرين على استعمال المصطلحات. إنّما تنشأ بينهما علاقة جدليّة: النّظريّة تمنح النّاقد أدوات الرّؤيّة، والنّص يختبر هذه الأدوات ويكشف حدودها، وربما يجبرها على التّعديل والتّوسيع وإعادة النّظر.
ومن هنا فإنّ الكتاب يقدم السّرد باعتباره فنًّا لصناعة المعنى، وطريقة من طرائق الإنسان في تنظيم تجربته، وترتيب ذاكرته، وإعادة بناء علاقته بالماضي والحاضر والمستقبل. فالسّرد لا يقول لنا فقط ماذا حدث.إنه يقول لنا أيضًا:كيف تذكّرنا ما حدث؟ كيف فهمناه؟ كيف أخفينا بعضه؟ ولماذا اخترنا أن نحكيه بهذه الطّريقة؟ وهنا تبدأ المسافة التي تفصل بين قراءة السّرد بوصفه تقنية، وقراءته بوصفه ثقافة.
أوّلًا: “بين السّطور”… العنوان مفتاح للقراءة

يبدو عنوان الكتاب، “بين السّطور”، للوهلة الأولى عنوانًا جماليًّا، لكنّه سرعان ما يتحوّل إلى عتبة تأويليّة تختصر فلسفة المشروع النّقديّ كلّه. فالسّطور هي ما نقرأ مباشرة. أمّا ما بينها فهو ما يستدعي التّأويل. في السّطور تنمو الكلمات. وبينها تظهر الإيحاءات. في السّطور تتحرك الشخصيات. وبينها تتحرك الأنساق الثّقافيّة. في السّطور تقع الأحداث. وبينها تختبئ أسبابها ودلالاتها. في السّطور يتكلّم الرّاوي. وبينها قد يظهر صوته الحقيقي، وموقعه، ومصالحه، وحدود رؤيته. ومن هنا فإنّ “بين السّطور” هي المجال الأكثر كثافة في النّص؛ المجال الذي تتجاور فيه الدّلالة مع المسكوت عنه، والوعي مع اللاوعي، والذّاكرة مع النّسيان، والظّاهر مع المضمر. أن تقرأ “بين السّطور” يعني أن تتحوّل من قارئ يكتفي بالسّؤال: ماذا حدث؟إلى قارئ يسأل: لماذا رُوي ما حدث بهذه الطريقة؟ ومن: من قال؟ إلى: من مُنح حقّ الكلام؟ ومن: من حضر؟ إلى: من غاب؟ ومن: ماذا تتذكر الشّخصيّة؟ إلى: ماذا اختارت أن تنسى؟ ومن: ما هو المكان؟ إلى: ماذا يعني المكان لهذه الذّات؟ وهكذا يتحوّل العنوان إلى منهج؛ فالنّقد الذي يقرأ “بين السّطور” يبحث في البنية العميقة التي تجعل الحكاية ممكنة.
ثانيًا: من تقنية السّرد إلى فلسفة الحكي
لقد أسهمت السّرديّات الحديثة في منح النّقد أدوات دقيقة لتحليل النّصوص. فمنذ البنيويّة والسّرديّات، وصولًا إلى أعمال تزفيتان تودوروف وجيرار جنيت، أصبح بالإمكان دراسة بنية الحكاية، والعلاقة بين زمن القصّة وزمن الخطاب، والاسترجاع والاستباق، والمدة والتّواتر، والتبئير، وأنماط الرّواة، ومستويات السّرد. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الأدوات لا تكمن في مجرد تحديدها. فالاسترجاع، مثلًا، ليس مجرد تقنية زمنيّة. قد يكون ذاكرة. وقد يكون حنينًا. وقد يكون صدمة. وقد يكون محاولة لاستعادة زمن مفقود. وقد يكون دليلًا على أنّ الماضي لم يتحوّل إلى ماضٍ بعد. والاستباق ليس مجرد قفزة نحو المستقبل؛ فقد يكون خوفًا من القادم، أو رغبة في السّيطرة عليه، أو محاولة لتخفيف قلق المجهول. أما التّكرار فقد يكون تكرارًا للجرح. والتّبئير هو توزيع للمعرفة والجهل؛ من يعرف؟ ومن يجهل؟ ومن يحقّ له أن يرى؟ ومن لا يرى إلا من خلال عيون الآخرين؟ من هنا، فإنّ التّقنية السّرديّة لا تكون ذات قيمة نقديّة إلّا حين تتحوّل إلى سؤال دلاليّ. فالسّؤال ليس:هل استخدم الكاتب الاسترجاع؟ بل: لماذا احتاج النّص إلى العودة إلى الماضي؟ وليس: هل تعدّدت الأصوات؟بل: ما الذي يعنيه أن تتعدّد الأصوات؟ وليس: أكان الرّاوي عليمًا أم محدود المعرفة؟ بل: أي تصوّر للحقيقة ينتج عن اختيار هذا الرّاوي؟ وهنا تبدأ التّقنيّة في مغادرة حيّزها الشّكليّ لتدخل في فضاء الرّؤية.
ثالثًا: التقنية ليست محايدة… إنها شكل من أشكال الرؤية
إنّ إحدى أهم القضايا التي يمكن أن يفتح عليها كتاب “بين السّطور” هي أنّ التّقنيّة السّرديّة ليست محايدة ثقافيّا. فالكاتب، حين يختار راويًّا عليمًا بكل شيء، لا يختار صوتًا فنيًّا فقط؛ إنّه قد يختار، بصورة واعية أو غير واعية، عالمًا يبدو فيه امتلاك الحقيقة ممكنًا. أمّا حين يختار راويًا محدود المعرفة، فإنّ النّص قد يكون أكثر تواضعًا أمام الحقيقة، وأكثر اعترافًا بحدود الرّؤية الإنسانيّة. وحين تتعدّد الأصوات، فإنّ النّص قد يعلن أنّ العالم لا يمكن اختزاله في وجهة نظر واحدة. وحين يسود صوت واحد، قد تكون هناك مركزيّة معرفيّة تفرض تفسيرًا واحدًا للأحداث. وهكذا يصبح الرّاوي موقفًا، والزّمن موقفًا، والحذف موقفًا، والصّمت موقفًا، والنّهاية المفتوحة موقفًا من الحقيقة. ومن هنا يمكن القول إنّ تحليل التّقنية هو، في العمق، تحليل للرّؤية التي تقف خلف التّقنية. فالنّص يختار، من خلال طريقة الحكي، كيف يريد لنا أن نرى العالم.
رابعًا: من يملك حق الكلام؟
السّرد بوصفه توزيعًا للسّلطة من أعمق الأسئلة التي يمكن أن تفتحها القراءة الثّقافيّة للنّصّ السّرديّ سؤال الصّوت: من يتكلّم؟ لكنّ السّؤال الأكثر أهمية هو: من يملك حقّ الكلام؟ إنّ توزيع الأصوات داخل النّص ليس دائمًا مجرد خيار جماليّ. فقد يكون انعكاسًا لعلاقات السّلطة داخل المجتمع. فثمة شخصيّات تتكلّم عن نفسها، وشخصيّات لا نعرفها إلا من خلال كلام الآخرين عنها. وثمة شخصيّات تمتلك القدرة على تفسير الأحداث. وأخرى لا تتجاوز كونها موضوعًا لهذا التّفسير. هناك من يملك اللّغة، ومن لا يملك سوى الصّمت. وهنا يصبح السّرد فضاءً للصّراع بين من يروي العالم ومن يُروى عنه. وهذه نقطة تلتقي مع تصور ميخائيل باختين للحواريّة والتّعدد الصّوتيّ. فالنّص متعدّد الأصوات يفتح المجال أمام رؤى متعارضة للعالم. كل صوت يحمل طبقته الاجتماعيّة، وذاكرته، ولغته، وموقعه، ومصالحه. ومن هنا فإنّ تعدّد الأصوات يمكن أن يتحوّل إلى قيمة ثقافيّة؛ لأنّه يرفض احتكار الحقيقة. فحين تتعدّد الأصوات، تتعدّد طرق رؤية العالم. وهنا يصبح السّرد، في أحد أبعاده، مقاومة لفكرة الحقيقة الوحيدة.
خامسًا: الصمت… حين يصبح الغياب أكثر حضورًا من الكلام
إذا كان الكلام سلطة، فإنّ الصّمت ليس غيابًا للخطاب بالضّرورة. قد يكون الصّمت خطابًا مضغوطًا. وقد يكون احتجاجًا. وقد يكون خوفًا. وقد يكون قمعًا. وقد يكون عجزًا عن تسمية الألم. وقد يكون، أحيانًا، الطّريقة الوحيدة التي تستطيع بها الشّخصيّة أن تحافظ على ذاتها. ومن هنا فإنّ الشّخصيّة الصّامتة قد تكون أكثر الشّخصيّات كلامًا على المستوى الدّلاليّ. إنّها تجعلنا نسأل:لماذا صمتت؟ من أسكتها؟ ماذا كانت ستقول لو امتلكت القدرة على الكلام؟ أيكون صمتها اختيارًا أم قسرًا؟ أهو ضعف أم مقاومة؟ وهكذا يصبح الصّمت عنصرًا سرديًّا وثقافيّا في آن. فالقراءة التي تدخل “بين السّطور” تبحث عن الممنوع من القول. وهنا يمكن للنّقد الثّقافيّ أن يكشف العلاقة بين الصّمت والسّلطة، وبين الصّمت والخوف، وبين الصّمت والذّاكرة، وبين الصّمت والصّدمة. فقد تكون هناك تجارب لا تستطيع اللّغة أن تحتويها. وقد تكون هناك مآسٍ أكبر من أن تُروى. وحين يعجز الإنسان عن الكلام، قد يصبح الصّمت هو الشّكل الأخير للحكاية.
سادسًا: المرأة… من موضوع للحكاية إلى ذات تصنعها
إنّ حضور المرأة في النّص السّرديّ يُقاس بموقع الشّخصيّات النّسائيّة في نظام السّرد والرؤيّة، لا بعددها. أتكون المرأة شخصيّة تتكلّم، أم صورة يُنظر إليها؟ أتمتلك وعيها، أم تُعرَّف من خلال الرجل؟ أتصنع الحدث، أم تظلّ أسيرة حدث يصنعه الآخرون؟ أتكون ذاتًا راغبة، أم مجرد موضوع لرغبة الآخرين؟ هذه الأسئلة تنقل قراءة المرأة من المستوى الوصفي إلى المستوى الثّقافيّ. فالمرأة التي تظهر بوصفها أمًّا فقط، أو حبيبة فقط، أو زوجة فقط، أو رمزًا للوطن، قد تكون جزءًا من نسق ثقافيّ يحصر هويتها في وظائف محددة. أما حين تمنح السّرديّة المرأة صوتًا مستقلًا، ورغبة، ووعيًا، وقدرة على الاختيار، فإنها تعيد تشكيل نظام الرّؤية كله. وهنا يمكن للنّقد أن يسأل: أيحرّر النّص المرأة من الصّور النذمطية، أم يعيد إنتاجها بلغة جديدة؟ أيمنحها حقّ أن تكون معقدة ومتناقضة، كما هو الإنسان، أم يحبسها في نموذج جاهز؟ إن صورة المرأة في السّرد قد تكشف عن الثّقافة التي أنتجتها أكثر مما تكشف عن المرأة نفسها.
سابعًا: الآخر… حين تكشف صورته عن صورة الذّات
لا يمكن فهم الذّات السّرديّة بمعزل عن الآخر. فالآخر قد يكون غريبًا، أو مهاجرًا، أو فقيرًا، أو مختلفًا دينيًّا أو طائفيًّا أو ثقافيّا، وقد يكون، في مستوى أعمق، جزءًا مكبوتًا من الذّات نفسها. إنّ الجماعة تعرف نفسها بما تقوله عن المختلف عنها، وليس عن نفسها. ومن هنا تصبح ثنائية “نحن” و”هم” سؤالًا نقديًّا وثقافيّا.كيف يصنع النّص الآخر؟ أيقدمه بوصفه تهديدًا، أم بوصفه إنسانًا؟ أيختزله في صورة نمطيّة، أم يمنحه حقّ أن يكون معقدًا ومتناقضًا؟ وهنا يمكن أن يكشف السّرد عن حدود التّسامح الثّقافيّ، وعن آليات الإقصاء، وعن الخوف من الاختلاف. لكنّ الأدب قادر أيضًا على تفكيك هذه الحدود. فقد يكتشف القارئ أنّ الآخر ليس بعيدًا كما يبدو، وأنّ صورته ليست سوى مرآة للذّات. وهكذا يصبح تمثيل الآخر اختبارًا أخلاقيًّا للخيال.
ثامنًا: الوطن… حين يتحوّل المكان إلى ذاكرة
من أكثر الأسئلة حضورًا في السّرد العربيّ الحديث سؤال الوطن. لكنّ الوطن في الأدب ليس دائمًا خريطة. قد يكون بيتًا. وقد يكون أمًّا. وقد يكون لهجة. وقد يكون شجرة. وقد يكون رائحة خبز. وقد يكون مقبرة. وقد يكون شارعًا لم يعد موجودًا. وقد يكون مجرد صورة في الذّاكرة. وهنا يصبح السّؤال: أيكون الوطن هو المكان الذي نعيش فيه، أم المكان الذي يعيش فينا؟ إنّ الإنسان قد لا يكتشف معنى الوطن إلا حين يفقده. وقد لا يشعر بقيمة المكان إلا عندما يصبح بعيدًا عنه. ومن هنا تتحوّل الجغرافيا إلى ذاكرة. وتتحوّل الذّاكرة إلى هويّة. ويصبح الوطن أحيانًا أكثر حضورًا في المنفى منه في المكان نفسه. إنّ الوطن السّرديّ ليس بالضّرورة وطن الحدود السّياسيّة. قد يكون وطن التّفاصيل الصّغيرة التي تحفظها الذّاكرة. ولهذا فإنّ فقدان الوطن قد يعني فقدان اللّغة التي كنا نعرف بها أنفسنا، وليس فقدان الأرض.
تاسعًا: المنفى… من جغرافيا الرّحيل إلى سؤال الهويّة
المنفى، في السّرد، ليس دائمًا مكانًا خارج الوطن. قد يكون حالة داخليّة. قد يعيش الإنسان في وطنه ويشعر أنّه منفي. وقد يعيش بعيدًا عنه، ويظل يحمل الوطن في داخله. ولهذا يصبح المنفى سؤالًا عن الهوية: أين يكون الإنسان عندما لا يعود قادرًا على الانتماء الكامل إلى مكان واحد؟ إنّ المنفي يعيش بين “هنا” و”هناك”، بين الماضي والحاضر، بين ما كان وما أصبح، بين وطن يتذكّره ووطن يحاول أن يبنيه. ومن هنا فإنّ أدب المنفى يروي انقسام الذّات، لا الرّحيل. فالرّحيل يغيّر علاقة الإنسان بالمكان، لكنّه يغيّر أيضًا علاقته بنفسه. وقد يصبح المنفى، نقيض المكان الذي يكتشف فيه الإنسان معنى الوطن. فحين يغيب المكان، يصبح السّؤال عنه أكثر حضورًا. وحين تضيع الهوية، يبدأ البحث عنها.
عاشرًا: الذّاكرة… حين تتحوّل السّيرة الفرديّة إلى تاريخ جماعيّ
من أخطر الأسئلة التي يثيرها السّرد سؤال الذّاكرة. أتكون الذّاكرة فرديّة حقًا، أم أنّها ذاكرة جماعيّة تختبئ في سيرة الفرد؟ حين يتذكر الإنسان طفولته، قد يستعيد زمن جيل كامل. وحين تستعيد امرأة بيتها القديم، قد تستعيد معها ثقافة مجتمع. وحين يتذكّر رجل حربًا عاشها، قد تصبح ذاكرته جزءًا من ذاكرة جماعيّة أوسع. وهكذا لا تعود الذّاكرة ملكًا للفرد وحده. إنّها تحمل آثار الجماعة. لكنّ الذّاكرة ليست تسجيلًا محايدًا للماضي. فالإنسان يتذكّر الماضي كما يستطيع الحاضر أن يعيد بناءه. ومن هنا فإنّ كل استرجاع هو تأويل، وكل ذاكرة إعادة كتابة، وكل نسيان سؤال. وقد يكون النّسيان نفسه موضوعًا نقديًّا: من يقرّر ما الذي نتذكره؟ ومن يملك سلطة محو ما لا يريد أن يبقى؟ هنا يصبح الأدب مقاومة للنسيان. فالسّرد يحفظ ما قد لا يحفظه التّاريخ الرّسميّ. يحفظ وجه الضّحية. وصوت الطّفل، وذاكرة الأمّ، وخوف النّاجي. ويمنح التّفاصيل اليوميّة قيمة الوثيقة. ولهذا يمكن النّظر إلى السّرد بوصفه أرشيفًا للذّاكرة الثّقافيّة.
الحادي عشر: السّرد أرشيف بديل للتّاريخ
قد يكتب التّاريخ الرّسميّ أسماء القادة، لكنّه لا يكتب دائمًا وجوه الذين عاشوا الأحداث. قد يسجل تاريخ الحرب بدايتها ونهايتها، لكنّه لا يسجل بالضّرورة الخوف الذي عاشته أمّ في غرفة صغيرة. قد تحفظ الوثائق قرارات السّياسيين، لكنّها قد تنسى صوت طفل فقد بيته. وهنا يأتي الأدب. إنّه لا ينافس التّاريخ في تسجيل الوقائع، لكنّه يحفظ أثر الوقائع في الإنسان. وهذه قيمة ثقافيّة كبرى للسّرد. فالقصّة ليست وثيقة تاريخيّة بالمعنى التّقليديّ، لكنّها قد تكون وثيقة للوجدان. ومن هنا فإنّ السّرد يحفظ ما يمكن تسميته التّاريخ العاطفيّ للمجتمعات. إنّه يسجل كيف عاش الناس التّاريخ، لا كيف كُتب في الكتب. وهذه النّقطة تمنح النّقد السّرديّ بعدًا ثقافيًّا بالغ الأهمية؛ لأنّ قراءة الحكايات تعني أحيانًا قراءة تاريخ غير مكتوب.
الثاني عشر: من النّقد السّرديّ إلى النّقد الثّقافيّ
في هذا المستوى يمكن أن نضع مشروع “بين السّطور” في مساحة أوسع من النّقد. فالنّقد السّرديّ يسأل:كيف بُني النّص؟ أما النّقد الثّقافيّ فيسأل: ماذا ينتج هذا البناء من قيم؟ النّقد السّرديّ يدرس الرّاوي. والنّقد الثّقافيّ يسأل: منحه سلطة الكلام على من؟ النّقد السّرديّ يدرس الشّخصيّة. والنّقد الثّقافيّ يسأل: أي نسق اجتماعيّ شكّل موقعها؟ النّقد السّرديّ يدرس المكان. والنّقد الثّقافيّ يسأل: أي هويّة يمثّل؟ النّقد السّرديّ يدرس الذّاكرة. والنّقد الثّقافيّ يسأل: أي ماضٍ يُحفظ؟ وأي ماضٍ يُنسى؟ ومن هنا، فإن النّقد الثّقافيّ ينبغي ألا يلغي جماليّات النّص، كما ينبغي للنّقد الفنّيّ ألا يعزل النّص عن ثقافته. فالأدب ليس وثيقة اجتماعيّة فقط. وليس بناءً جماليًّا مغلقًا. إنّه بنية جماليّة تحمل داخلها توترات ثقافيّة. ولهذا يمكن أن تكون التّقنية نفسها حاملة لنسق ثقافيّ. فالنّهاية المفتوحة قد تكون رفضًا للحقيقة المطلقة. وتعدّد الأصوات قد يكون مقاومة للمركزيّة. والرّاوي المحدود قد يكون تعبيرًا عن أزمة المعرفة. والزّمن المتشظي قد يكون صورة لذات تعيش في ذاكرة مضطربة. والصّمت قد يكون أثرًا للسّلطة. هنا يتحوّل الشّكل إلى ثقافة، وتصبح الجماليّات طريقًا إلى قراءة المجتمع.
الثّالث عشر: المنهج بين صرامة المعرفة وحرية التّأويل
إنّ الجمع بين النّظريّة والتّطبيق في الكتاب يفتح سؤالًا مهمًا حول وظيفة المنهج. أيفرض المنهج نفسه على النّص، أم أنّ النّص هو الذي يستدعي المنهج الذي يناسبه؟ في تقديري، القراءة الأكثر خصوبة هي التي تنطلق من النّص، لا من الرّغبة في إثبات صلاحية منهج معين. فليس كل نصّ يحتاج إلى الأداة نفسها. ولا كلّ تقنية تحمل الدّلالة نفسها. المنهج الجيد هو نافذة تتيح رؤية ما كان مخفيًا. إنّه أداة إضاءة، لا أداة مصادرة. ولهذا فإنّ النّاقد المتمكن هو الذي يعرف متى يستخدم المنهج، ومتى يتجاوزه، ومتى يترك للنّص أن يقوده إلى منطقة لم تكن النّظريّة قد توقعتها. فالنّص الأدبيّ ليس تابعًا للنّظرية. إنّه، أحيانًا، قادر على أن يختبر النّظرية نفسها. وهنا تصبح العلاقة بين النّظريّة والتّطبيق علاقة حوار، لا علاقة تبعية.
الرابع عشر: من رولان بارت إلى بول ريكور…النّص بوصفه فضاءً مفتوحًا
يمكن أن يتّصل هذا التّصور بأفق نظريّ أوسع يمتد من رولان بارت إلى بول ريكور. فالنّص، في المنظور البارتي هو فضاء تتقاطع فيه أصوات وإحالات وثقافات، وليس حقلًا مغلقًا تحت سلطة المؤلف. إنّه حقل يصبح فيه القارئ طرفًا أساسيًا في إنتاج الدّلالة. أما في الأفق التّأويليّ عند بول ريكور، فإنّ النّص، بعد انفصاله عن صاحبه، يدخل في فضاء جديد من إمكانات الفهم. وقد يقول النّص، في سياق قراءة جديدة، ما يتجاوز قصد مؤلّفه الأوّل. وهنا تصبح مهمة النّاقد استكشاف إمكانات المعنى التي يتيحها النّص، لا اكتشاف المعنى الواحد. لكنّ التّأويل، مع ذلك، ليس حريّة مطلقة. فالنّص يقاوم التّأويل أيضًا. له بنيته. ولغته. وسياقه. وعلاماته. وهذا ما يجعل القراءة فعلًا تفاعليًّا بين ما يقوله النّصّ وما يستطيع القارئ أن يكتشفه فيه.
الخامس عشر: النّاقد بوصفه قارئًا للزّمن
حين يقرأ النّاقد نصًّا سرديًّا، فإنّه لا يقرأ النّص وحده. إنّه يقرأ زمنًا. يقرأ أثر مرحلة تاريخيّة. يقرأ تحولّات المجتمع. يقرأ القيم التي تغيرت. يقرأ المخاوف التي ظهرت. يقرأ الأحلام التي انكسرت. ولهذا يمكن أن يكون النّاقد قارئًا للزّمن بقدر ما هو قارئ للنّص. فالسّرديّات التي تتحدّث عن الحرب لا تحكي الحرب فقط. إنّها تحكي آثارها. والسّرديّات التي تتحدث عن الهجرة لا تحكي الرّحيل فقط. إنّها تحكي تشظّي الهويّة. والسّرديّات التي تتحدّث عن المدينة لا تصف شوارعها فقط. إنها تكشف عن علاقة الإنسان الحديث بالمكان. والسّرديّات التي تستعيد الطّفولة لا تعود إلى الماضي فقط. إنّها تكشف عن الطّريقة التي ينظر بها الحاضر إلى ماضيه. وهكذا يصبح النّص وثيقة زمنيّة من نوع خاص؛ وثيقة تحفظ الإحساس بالأحداث، ولا تحفظها.
السادس عشر: خصوصية السّرد اللّبنانيّ في مرآة السّرد العربيّ
إنّ حضور عدد من المبدعين اللّبنانيّين في فضاء الكتاب يفتح إمكانًا مهمًا لقراءة السّرد اللّبنانيّ ضمن سياقه العربيّ الأوسع. فلبنان، بما عرفه من حروب وتحوّلات وهجرات وانقسامات، وبما يتّسم به من تعدّد لغويّ وثقافيّ وطائفيّ، يمثّل مساحة شديدة الخصوبة للسّرد. فيه تتقاطع الذّاكرة مع الحرب، والوطن مع المنفى، والهويّة مع التعدّد، والفرد مع الجماعة، والبيت مع الخوف من فقدانه. ومن هنا يمكن للسّرد اللّبنانيّ أن يطرح سؤالًا يتجاوز حدوده الجغرافية: كيف يكتب الإنسان العربيّ ذاته في زمن التحولات؟ كيف يكتب وطنًا مهددًا؟ كيف يتذكّر حربًا لم تنتهِ آثارها؟كيف يعيش بين وطن واقعيّ ووطن متخيّل؟ كيف تصبح الهجرة جزءًا من الهويّة؟وكيف تتحوّل الذّاكرة إلى وطن بديل؟ بهذا المعنى، يمكن قراءة السّرد اللّبنانيّ بوصفه جزءًا من سؤال عربيّ شامل حول الانتماء والاقتلاع والذّاكرة والهويّة.
السّابع عشر: الكتابة بوصفها مقاومة للنّسيان
في عالم تتسارع فيه الأحداث، وتتناقص فيه قدرة الإنسان على التّذكر، يصبح الأدب شكلًا من أشكال المقاومة. الكتابة تقول: هذا حدث. وهذا الإنسان عاش. وهذا الصّوت كان موجودًا. وهذه الذّاكرة ينبغي ألا تموت. من هنا يمكن أن يكون السّرد فعل مقاومة للنّسيان. فالكاتب لا يكتب فقط ليحكي. قد يكتب كي ينقذ شيئًا من الزّوال. ينقذ وجهًا، أو مكانًا، أو طفولة، أو لغة، أو حبًا، أو وطنًا، أو إنسانًا لم يعد له وجود إلا في الذّاكرة. وهنا يصبح النّقد بدوره مسؤولًا عن إنقاذ النّص من النّسيان. فالنّاقد لا يكتب عن الأدب فقط. إنّه يحميه من العبور السّريع. يعيد إليه حضوره. ويمنحه قراءة جديدة. ولهذا يمكن النّظر إلى النّقد بوصفه ذاكرة ثانية للإبداع.
الثامن عشر: “حس النّاقد”… حين تتحوّل القراءة إلى بصيرة
تكتسب عبارة الدّكتورة درية فرحات عن “حس النّاقد” أهمية خاصة. فالنّقد ليس معرفة بالمصطلح وحده. قد يعرف الإنسان عشرات المناهج، لكنّه لا يرى النّص. وقد يحفظ المصطلحات، لكنّه لا يسمع صمت الشّخصيّة. وقد يعرف معنى الاسترجاع، لكنّه لا يدرك لماذا عاد النّص إلى الماضي في تلك اللّحظة. الحسّ النّقدي هو أن تلتقط التّفصيل الصّغير الذي يحمل المعنى الكبير. أن ترى في تكرار لفظة خوفًا، وفي صمت شخصية قمعًا، وفي وصف بيت ذاكرة، وفي غياب أب تاريخًا، وفي انكسار الزّمن جرحًا، وفي اختيار راوٍ موقفًا من الحقيقة. إنّه، في النّهاية، القدرة على رؤية ما وراء المرئي من دون أن نفقد المرئي. وهذه معادلة دقيقة. فالنّقد الذي يذهب إلى ما وراء النّص من دون العودة إليه يتحوّل إلى إسقاط. أمّا النّقد الذي يلتزم سطح النص فقط فيفقد قدرته على التّأويل. والقراءة النّاضجة هي التي تتحرّك بين المستويين.
التّاسع عشر: النّقد فعل محبة معرفيّة
إنّ النّقد الحقيقي لا يقوم على المجاملة، لكنّه لا يقوم أيضًا على الرّغبة في الهدم. إنّه فعل محبة معرفيّة. والمحبّة هنا رغبة في الفهم، وليست عاطفة سطحيّة. فالنّاقد الذي يحبّ النّص هو الذي يمنحه حقّه في أن يُقرأ بجديّة، أن يُسائل، أن يُفكك، أن يُعارض، أن يُعاد اكتشافه. ولهذا فإنّ الصّرامة النّقديّة قد تكون أرقى أشكال احترام الإبداع. فالنّاقد لا يرفع النّص إلى مرتبة القداسة، ولا يسقطه في هاوية الإلغاء. إنّه يحاوره. وهنا يصبح النّقد شكلًا من أشكال اللّقاء بين عقلين: عقل المبدع الذي خلق النّص. وعقل النّاقد الذي يحاول أن يكتشف ما يمكن أن يكون النّص عليه.
العشرون: من قراءة النّص إلى إعادة تعريف فعل القراءة
ربما تكون القيمة الأعمق التي يمكن أن يمنحها كتاب “بين السّطور” هي أنّه يعيد تعريف القراءة نفسها. فالقراءة ليست استهلاكًا للنّص، وليست بحثًا سريعًا عن فكرة، وليست تلخيصًا لما قاله الكاتب. القراءة الحقيقية هي أن نسمح للنّص بأن يغيّر الأسئلة التي دخلنا بها إليه. أن ندخل ونحن نبحث عن معنى، فنخرج وقد اكتشفنا سؤالًا جديدًا. أن نقرأ الحكاية، ثم نكتشف أنّ الحكاية تقرأنا نحن أيضًا. فالإنسان حين يقرأ قصة عن المنفى قد يكتشف غربته. وحين يقرأ قصة عن الوطن قد يكتشف معنى فقده. وحين يقرأ عن الذّاكرة قد يكتشف هشاشة ذاكرته. وحين يقرأ عن الآخر قد يكتشف شيئًا من ذاته. وهنا يصبح الأدب مرآة تكشف ما لا نراه في وجوهنا، ولا تعكس الوجه الذي نراه.
خاتمة

في السّطور نقرأ الحكاية… وبين السّطور نقرأ الإنسان. في نهاية المطاف، يمكن القول إن كتاب “بين السّطور: قراءات نقدية في فن السّرد” يتحرّك في مستويات نقديّة متداخلة، تبدأ من التّقنية ولا تنتهي عندها. إنّه يقرأ: كيف تُبنى الحكاية، ثم يسأل: ماذا تعني طريقة بنائها؟ ثم يتقدم خطوة أخرى: أي رؤية للعالم تقف خلف هذه الطريقة؟ ثم يذهب أبعد: أي إنسان وأي ثقافة وأي ذاكرة وأي منظومة قيم تتشكّل داخل هذا العالم السّرديّ؟ وهنا تكمن القيمة الفكريّة والنّقدية الأعمق للمشروع. فالنّص يُقرأ لأنّ الاسترجاع فيه يحمل معنى. ويُقرأ المكان لأنّه قد يكون وطنًا أو ذاكرة أو منفى. وتُقرأ الشّخصيّة لأنّها قد تكون تمثيلًا لصراع فرديّ أو اجتماعيّ أو ثقافيّ. ويُقرأ الصّمت لأنّه قد يكون أكثر أشكال الكلام كثافة. وتُقرأ النّهاية لأنّها قد تكون موقفًا من الحقيقة نفسها. وهكذا تتشكّل أمامنا معادلة نقديّة يمكن أن تختصر فلسفة “بين السّطور”: التّقنيّة تقود إلى البنية. والبنية تقود إلى الدّلالة. والدّلالة تقود إلى الرّؤية. والرّؤية تقود إلى الثّقافة. والثّقافة تعيدنا، في النّهاية، إلى الإنسان. ومن هنا فإنّ الحكاية ليست بريئة تمامًا. وراء كل راوٍ سلطة. وراء كل صوت موقف. وراء كل صمت تاريخ. وراء كل صورة للمرأة نسق ثقافيّ. وراء كل تمثيل للآخر صورة للذات. وراء كل وطن متخيّل ذاكرة. وراء كل منفى سؤال هويّة. وراء كل استرجاع ماضٍ لم يكتمل. وراء كل نسيان جرح قديم. وراء كل حكاية إنسان يحاول أن يفهم لماذا حدث كل ما حدث. ولعل هذا هو الأفق الذي يمنح كتاب الدّكتورة درية فرحات قيمته الخاصة: أنّه يفتح الطّريق أمام قراءة تتعامل مع السّرد على أنّه هندسة للوعي؛ فالكاتب حين يرتب الزّمن، يرتب ذاكرته؛ وحين يوزّع الأصوات، يعيد توزيع السّلطة؛ وحين يبني المكان، يعيد بناء الهويّة؛ وحين يختار من يتكلّم ومن يصمت، فإنّه يعيد رسم خريطة العالم من حوله. وفي هذا المعنى، فإنّ السّرد فعل ثقافيّ يعيد تشكيل الواقع. والنّاقد ليس مجرد شارح للتّقنيات.إنّه قارئ للأنساق التي تختبئ وراءها. والكتاب النّقدي ليس مجرد كلام على هامش الإبداع. إنّه كتابة ثانية تمنح النّص حياة أخرى. لذلك فإنّ أجمل ما يمكن أن ينتهي إليه مشروع “بين السّطور” هو أنّ النّص الأدبيّ يبدأ هناك، عند آخر كلمة، ولا ينتهي عند النّقطة التي يضع فيها الكاتب قلمه، ويبدأ القارئ رحلته، ثم يأتي النّاقد ليكشف طرقًا أخرى لم تكن العين الأولى قد رأتها. ففي السّطور نقرأ الكلمات. وفي بنية السّرد نقرأ طريقة تشكل الحكاية. وفي التّأويل نقرأ ما وراء الحكاية. وفي النّقد الثّقافيّ نقرأ الأنساق التي تسكنها. أما بين السّطور… فنقرأ الذّاكرة، ونقرأ الوطن، ونقرأ المنفى، ونقرأ الآخر، ونقرأ الصّمت، ونقرأ الثّقافة. وفي النهاية… نقرأ الإنسان وهو يحاول أن يمنح وجوده معنى، وأن ينقذ ما يخشى أن يضيع، وأن يحوّل الألم إلى حكاية، والغياب إلى ذاكرة، والذّاكرة إلى لغة، واللّغة إلى حياة ثانية. وهنا، ربما، تكمن فلسفة السّرد كلها: أنّ الإنسان يحكي لأنّه يبحث عن الحقيقة، وأنّ النّاقد يقرأ ليمنح النّص فرصة أخرى للكلام. وأنّ أعظم قراءة هي تلك التي تجعلنا نعود إليها، بعد أن نظن أنّنا انتهينا منها، فنكتشف أنّ الحكاية كانت، طوال الوقت، تقودنا إلى سؤال آخر: من نحن، حين نحكي؟ ومن نكون، حين نصمت؟ وماذا يبقى منا، حين لا يبقى لنا سوى ما نتذكره؟ هناك، تحديدًا، ينفتح “بين السّطور” على معناه الأعمق؛ فبينما يقرأ الكتاب تقنيّات السّرد، تقودنا هذه التّقنيات إلى ما هو أبعد منها: إلى ثقافة تختبئ في اللّغة، وإلى ذاكرة تتحرّك تحت الأحداث، وإلى سلطة تتوزّع بين الأصوات، وإلى هويّة تتشكّل في علاقتها بالمكان والآخر، وإلى إنسان لا يزال، منذ أن بدأ يحكي، يحاول أن يفهم نفسه من خلال الحكاية. في السّطور نقرأ النص. وفيما بين السّطور نقرأ العالم. وفي أعمق ما بين السّطور… نقرأ الإنسان.
