في الفضاء الإلكتروني، حيث لم تعد الجغرافيا شرطاً للقاء، انعقدت ندوة على منصة «غرفة 19» للحديث عن كتاب «اللون الآخر؛ رحلة حول العالم في ستة أشهر» للكاتب اللبناني رمزي ألبرت ريحاني؛ ندوة جاءت من كاليفورنيا، سان دييغو، حيث تتجاور المسافات البعيدة مع قرب الفكرة، وحيث استطاعت الثقافة أن تجد لها مكاناً لا تحده خرائط المدن ولا المسافات بين الأوطان.
قدمت الندوة وأدارتها الأديبة والكاتبة اللبنانية إخلاص فرنسيس، القائمة على منصة «غرفة 19» ومحررة «مجلة غرفة 19»، وكان يمكن أن تمر كلماتها الأولى بوصفها مقدمة أدبية معتادة للتعريف بالكاتب وكتابه، لولا أن شيئاً آخر كان يتشكل في ثناياها؛ شيء بدا وكأن المقدمة نفسها أخذت تنفتح على تجربة صاحبتها، حتى بدا أن «فرنسيس»، وهي تقدم «ريحاني»، كانت تقترب شيئاً فشيئاً من تجربتها هي.
أحياناً يكون التقديم جزءاً من الفكرة، وأحياناً يكون المقدِّم، بتجربته وذاكرته وأسئلته، هو الفكرة نفسها؛ عندها لا يعود الحديث عن الكتاب منفصلاً عن حياة من يتحدث عنه، ولا تبقى الكلمات مجرد عبارات تمهّد للضيف، وإنما تصبح جسراً بين تجربتين؛ ويتكون للفكرة عمق لا تحيط به الكلمات وحدها.

ومنذ بدايتها، أخذت «فرنسيس» الندوة إلى منطقة أوسع من الكتاب والكاتب؛ تحدثت عن الشعر حين يجاور الاغتراب، وعن الذاكرة حين تصبح أكثر حضوراً كلما ابتعد الإنسان عن المكان، وعن الجغرافيا حين تفقد قدرتها على احتواء معنى الوطن؛ فالوطن، في هذه الرؤية؛ ليس مجرد أرض نعيش فوقها، ولا حدوداً سياسية ترسمها الخرائط، وإنما شيء يتشكل في الداخل، ويحمله الإنسان معه أينما ذهب، وقد يجد مظاهره البديلة في مدينة جديدة، أو في وجه، أو في قصيدة، أو في ذاكرة لا تكف عن استعادة المكان الأول.
كان لافتاً أن حديثها عن الاغتراب لم يأتِ من موقع المتأمل البعيد؛ فهي لبنانية تعيش في كاليفورنيا، وتحمل تجربتها الخاصة في الانتقال بين الأمكنة، وفي البحث عن المعنى خلف المكان؛ ولعل هذا ما جعل حديثها عن ريحاني مشبعاً بذلك النوع من المعرفة الذي لا تأتي به القراءة وحدها؛ معرفة التجربة، حين تصبح الكلمات امتداداً لحياة عاشها صاحبها، لا مجرد مفاهيم يتداولها.
ثم بدا السفر في حديثها، وكأنه يأخذ معنى آخر؛ فالسفر ليس انتقالاً في الجغرافيا بقدر ما هو انتقال في الوعي؛ ليس أن يغادر الإنسان مكاناً إلى مكان، وإنما أن يخرج من صورته الأولى عن العالم، ثم يعود إليه بصورة أخرى؛ وفي هذا المعنى، يلتقي السفر بالكتابة؛ فكلاهما رحلة إلى المجهول، وكلاهما محاولة لاكتشاف الآخر، وربما لإعادة اكتشاف الذات.
هنا تحديداً تتقاطع تجربة «فرنسيس» مع تجربة «ريحاني»؛ فكتاب «اللون الآخر»، بما يحمله من رحلة حول العالم خلال ستة أشهر، وما مر به صاحبه من مدن وبلدان وتجارب، لا يقدم السفر كـ قائمة بالأمكنة، وإنما كـ تجربة إنسانية تتسع فيها الجغرافيا بقدر ما يتسع السؤال عن الإنسان؛ المكان في الكتاب ليس مجرد خلفية للأحداث، وإنما شريك في تشكيل الرؤية؛ والمدينة ليست حجراً وشوارع، بقدر ما هو ذاكرة، ووجوه، وأسئلة، واحتمالات.
وهكذا وجدنا كاتباً يكتب عن الترحال، وكاتبة تدير منصة ثقافية من بلاد المهجر؛ كاتباً يحاول أن يرى العالم من خلال السفر، وكاتبة تجعل من الثقافة وسيلة للقاء العالم؛ اغتراباً يتحول إلى كتابة، واغتراباً يتحول إلى مشروع ثقافي؛ وبين التجربتين تظهر مساحة واسعة من التقاطعات: بين كاتب وكاتب، بين قلم وقلم، بين ترحال وترحال، بين ملاذ وملاذ، وبين وطن يحمله الإنسان في ذاكرته ووطن يحاول أن يعيد اكتشافه في الأمكنة الجديدة.
وإن «غرفة 19» نفسها تبدو من هذه الزاوية، أكثر من منصة إلكترونية؛ إنها صورة من صور التحول الذي يصنعه الاغتراب حين لا يستسلم للبعد؛ فالغرفة التي انطلقت من سان دييغو استطاعت أن تفتح نوافذها على أماكن متعددة، وأن تجعل من المسافة وسيلة للاتصال لا سبباً للعزلة؛ وهنا يصبح الاغتراب، بدلاً من أن يكون فقداً للمكان، قدرة على صناعة مكان آخر او فضاءً أخر؛ مكان لا تقوم حدوده على الجغرافيا، وإنما على الثقافة، واللغة، والذاكرة، والحوار.
ربما هنا يمكن أن نستعيد بحذر صورة أدباء المهجر في بدايات القرن الماضي؛ ليس لأن التجارب تتطابق، فلكل زمن أسئلته وظروفه، وإنما لأن ثمة تشابهاً في ذلك السؤال القديم المتجدد : ماذا يفعل الكاتب حين يجد نفسه بعيداً عن المكان الأول؟؛ لقد وجد بعض أدباء المهجر في الشعر والكتابة وسيلة لإعادة بناء الصلة بالوطن، وتحويل المسافة إلى طاقة إبداعية؛ واليوم، في زمن المنصات الرقمية، تبدو المسافة أقل صلابة، لكن سؤال الإنسان فيها أكثر تعقيداً؛ إذ يستطيع أن يكون بعيداً جسداً، قريباً ثقافة، وأن يصنع من الفضاء الإلكتروني وطناً مؤقتاً للقاء .
في هذا السياق، تبدو تجربة فرنسيس جديرة بالتأمل؛ فالاغتراب عندها لم يتحول إلى انسحاب من العالم، لكنه انفتاح عليه؛ والرحلة لم تكن هروباً من المكان، بل بحثاً عن آثاره في الأمكنة الأخرى؛ والكتابة لم تكن مجرد تعبير عن الذات، وإنما وسيلة لصناعة علاقة مع الآخرين؛ وربما لهذا وجدت في تجربة ريحاني شيئاً قريباً من تجربتها؛ لأن الكاتب حين يقرأ كاتباً آخر من داخل تجربته، لا يكتفي بفهم النص، وإنما يلتقط ما يتقاطع معه في حياته.
ولعل في قصة «المقدمة» نفسها ما يستحق التأمل؛ ألم تكن «مقدمة ابن خلدون» أشهر من الكتاب الذي جاءت بين يديه؟، ألم تصبح المقدمة مع مرور الزمن، كتاباً قائماً بذاته، ونافذة أوسع إلى عقل صاحبها، ورؤيته للعمران والإنسان والتاريخ؟، أحياناً تقود المقدمة الكاتب إلى ملاذ نفسه قبل أن تقود القارئ إلى كتابه؛ وتصبح الكلمات التي أُريد لها أن تفتح باباً للآخر، باباً يكتشف الكاتب من خلاله شيئاً من ذاته.
وهكذا، لم يعد كتاب «اللون الآخر» وكاتبه وحدهما موضوع الندوة؛ صار هناك لون آخر للتجربة نفسها؛ لون يظهر حين يقرأ كاتبٌ كاتباً آخر، فتنعكس التجربة على تجربة، وتستدعي الذاكرة ذاكرة، ويجد المغترب في اغتراب غيره بعضاً من ملامحه.
في « غرفة 19 » تقاطعت أكثر من حكاية: ريحاني مع كتابه، وفرنسيس مع تجربتها، والسفر مع الذاكرة، والاغتراب مع الوطن، والكتابة مع البحث عن الملاذ؛ أما القارئ، فيبقى خارج هذه التقاطعات وداخلها في آن؛ يلتقط منها ما يشبهه، ويترك ما لا يعنيه، ثم يمضي بالفكرة إلى مكان آخر.
الأفكار الكبيرة لا تنتهي عند الكاتب، ولا عند الكتاب، ولا حتى عند الندوة؛ إنها تبدأ أحياناً حين يجد المتلقي نفسه، فجأة، بين سطور لم تُكتب عنه، لكنها قالت شيئاً كان يبحث عنه.

( عماد عواودة، ابو حازم ..
الأربعاء ١٩ اغسطس ٢٠٢٦، قميم / الاردن )
