
د. أنطوان يزبك
صدر هذا الكتاب منذ 10 سنوات تقريبا ، ولا يزال يتصدّر قائمة المبيعات لكتب التنمية البشريّة و الذاتيّة . نشهد اليوم فورة إصدارات لهذه الكتب التي تنبتُ لنا من كلّ حدبٍ وصوب و يباع منها ملايين النسخات مترجمة إلى لغات العالم أجمع .
عندما قرأت هذا الكتاب للمرّة الأولى منذ خمس سنوات ، صمّمت على كتابة مراجعة نقديّة له، تتناول أهم ما ورد فيه ، لكن شاءَت الظروف أن لا أفعل حينها، لكن بقيت الرغبة لديّ ، فعقدت العزم على كتابة هذه المقالة ، قبل فوات الأوان و قبل أن تلتهم الخوارزميّات المعلومات التي يحتويها هذا الكتاب ، مثله مثل الكتب التي تتناول موضوع التنمية البشريّة و التي تغصّ بها رفوف المكتبات .يبقى السؤال الجوهري : هل سيكون لدينا متّسعٌ من الوقت من أجل قراءة كلّ هذه المؤلفات في عمر واحد؟! .
الجميل في هذا المؤلف ، هو اعتماده البساطة وتقديم المعلومات بشكل “السهل الممتنع” للقارئ ، بحيث لا ينكر مارك مانسون أن الألم موجود في الحياة والمشاكل تتراكم يوما بعد يوم ، لكن على الإنسان أن يتماشى مع هذه الصعوبات التي تعتريه ، و أن لا يسعى دائما للحصول على إيجابيات من أجل إرضاء نفسه أو إرضاء الآخرين من حوله ، لأن المشاعر السلبيّة في الحياة هي مشاعر طبيعيّة ، وهي تحفّز الفرد على إصلاح ما بنفسه من مشاكل ، وعبور الصعوبات التي تحاصره . من ذلك أن على الإنسان أن يكون أكثر جديّة في التعاطي مع صعوبات الحياة . ها هو مانسون يقول مثلا في الصفحة 66 ما يلي :
[ تنغلق دورة هذا الإحساس العالي بالاستحقاق ، على نفسها، فتصير نوعا من فقّاعة نرجسيّة تشوّه أي شيء وكل شيء ، على نحو تعزز نفسها بتلك النرجسيّة . يرى الأشخاص دائما من الذين لديهم هذا الإحساس بالاستحقاق في كل حدث من أحداث حياتهم ، تأكيدا على عظمتهم أو خطرا يتهدّدها إذا حدث لهم شيء جديد ناتج عن إنجاز مدهش حقّقوه وإذا حدث لهم شيءٌ سيءٌ فلأن شخصا ما يغار منهم ، ما يحاول الانتقاص من شأنهم . الناس يضلّلون أنفسهم باستخدام أي شيء يمكن أن يغذّي إحساسهم بالتفوّق] .
لقد فهم مارك مانسون بالعمق تركيبة التفكير لدى الناس في عصرنا ، فهم يريدون كلّ شيء و الحصول على كلّ ما يريدونه ليكونوا سعداء ، و أن يصيبوا الثراء والشهرة ، وهم يستعملون لذلك مسألة القياس في حياتهم ومن الأمثلة الواردة في الكتاب ، مثال مغنّي الروك الذي باع 50 مليون قرص مدمّج لأغانيه، ومع ذلك يرى نفسه ضئيلا أمام المغني الآخر الذي باع 150 مليون أي فاقه بمئة مليون ، علما أن المغني الذي باع 50 مليونا هو بالفعل مغني مشهور ومحبوب ، وعليه أن يرضى بالشهرة التي حصل عليها والتي سوف يحسده عليها ملايين البشر .
في النهاية ليست الكميّة التي تحدّد السعادة في مسألة هذا المغنّي ، بل ما يتركه من إنجازات فنيّة ، في عالم الموسيقى والروك أند رول .
يصل مارك مانسون إلى خلاصة مهمّة في كتابه وهي أن الالتزام في الحياة هو الذي يعطي السعادة . وليس صحيحا إذا كان الإنسان هامشيّا أنه سوف يرتاح من المشاكل . فالمشاكل لا تنتهي ولكن يجب أن نُحسن انتقاء عمليّة التعامل معها وكيفيّة التغاضي عن السلبيات والنظر إلى الايجابيات في كل مراحل حياتنا.
يضيف مانسون قائلا في الصفحة 117 :
[عندما تكون لنا قيم سيئة أو معايير سيئة نضعها لأنفسنا وللآخرين فإننا نهتمّ اهتماما زائدا بأشياء لا أهمية لها أي بأشياء تجعل حياتنا أسوأ.
في واقع الأمر عندما نختار قيما أفضل فإننا نكون قادرين على توجيه اهتمامنا إلى أشياء أفضل أي إلى أشياء لها أهمية، أشياء تحسّن حالتنا وتخلق لنا السعادة والمسرّة والنجاح أيضا ] .
كما يضيف في مكان آخر حول المعنى الحقيقي لتطوير الذات قائلا :
[ يجب علينا وضع القيم الأفضل في موضع الأولويّة واختيار أشياء أفضل ، لكي نمنحها اهتمامنا ، هذا لأن مشاكلنا تكون أفضل عندما نركّز انتباهنا على أشياء أفضل وعندما تصير مشاكلنا أفضل فإن حياتنا تصير أفضل أيضا ] .
قد يبدو هذا التفسير للوهلة الأولى تفسيرا غريبا أو حتى ضربا من المحال وهو في كلّ الأحوال خارج عن المنطق والسياق المعتاد ، ولكن في عصرنا وفي طريقة نمو خياراتنا وما نحب وما لا نحب ،نجد أن المشاكل في حياتنا هي مشاكل تصاعديّة تتراكم فوق بعضها البعض.
إذا قمنا بمقارنة بين نمط حياة الإنسان في القرن التاسع عشر عندما لم يكن هناك كهرباء وتكنولوجيا مثلا ، و بين حياتنا اليوم مع التكنولوجيا المتطوّرة والخوارزميات والسوشيال ميديا فهل تجوز المقارنة بعد الآن أو هل ثمّة مجال للمقارنة بين إنسان الماضي و إنسان الحاضر؟وهل هناك زمن يتعيّن علينا فيه أن نقارن بين الماضي والحاضر؟ حتما لا ، إذ على ما يبدو أن الإنسان الذي عاش في الماضي لم يعد موجودا في عصرنا اليوم ، وإنسان اليوم هو كائن غريب ، بيد أن القيم الأساسية في الحياة لا تتبدّل .
إذ لو أتينا بإنسان من الماضي لن يتعرّف على عالم اليوم و ناسه مطلقا وستكون دهشته كبيرة ، كذلك أبناء عصرنا يستغربون من نمط معيشة الأسلاف وصعوبات حياتهم واهتماماتهم !
حتى لا تكون الخاتمة مؤلمة و سوداويّة ، سنظل نقول أن هنالك أمل لدى الإنسان في كل مراحل الحياة طالما هناك إنسان حيّ وخيّر على وجه الأرض ، وعليه
يذكرنا مارك مانسون أن الموت يجعل من الحياة مهمّة ، وأن الوقت محدود على هذه الأرض وليس على الانسان أن يهتمّ بكلّ شيء بل عليه التركيز على الأمور الإيجابيّة التي تفيد نفسيّته ونمط حياته من أجل النمو نحو الأفضل .
