
بقلم الكاتب: أعراب خالد
الدولة: الجزائر
لا اعرف لماذا جاءني هذا السؤال الان. ربما لان الانسان، كلما تقدم به العمر، بدأ يلاحظ اشياء في نفسه لم يكن ينتبه اليها من قبل. عادة قديمة، خوف لا يعرف بدايته، موقف يتكرر منه، وكلمة ما زالت تعيش في داخله رغم انه نسي من قالها.
نقول عن انفسنا انا هكذا.
لكن من اين جاء هذا الهكذا؟
حين كنت طفلا، لم اكن اعرف انني هادئ او عنيد او خجول. كنت اعيش كما يعيش الطفل، اذهب والعب واتعلم. ثم بدأت اسمع من حولي.
هذا طفل ذكي.
هذا مشاغب.
هذا لا ينتبه.
هذا سيكون له شأن.
قد ننسى هذه الكلمات بعد سنوات، لكن بعضها يبقى معنا بطريقة لا نشعر بها.
يكبر الطفل، ثم يبدأ في وصف نفسه بالطريقة التي وصفه بها الاخرون.
الواحد منا يقول راني هكذا وخلاص، وما يسقسيش روحو علاش ولى هكذا.
هل عرفنا انفسنا فعلا، ام اننا تعلمنا جزءا منها من الناس الذين عاشوا حولنا؟
لا املك جوابا واضحا.
في الرواية، يعرف الكاتب شخصياته منذ البداية. يعرف من اين جاءت، وماذا تخاف، وما الذي تخفيه. اما الانسان فلا يملك هذه المعرفة عن نفسه.
قد يعيش سنوات قبل ان يفهم لماذا يتصرف بطريقة معينة.
البيت يؤثر فينا، وكذلك المدرسة والشارع والمدينة. كلمة من الاب قد تبقى، ونظرة من الام قد لا ننساها، وتجربة صغيرة في الطفولة قد تكبر معنا.
لا نقصد دائما ان نحملها، لكنها تأتي معنا.
ولهذا يصعب القول ان الانسان يصنع نفسه وحده.
نحن نختار اشياء كثيرة في حياتنا، لكننا لا نختار البداية.
لا نختار العائلة التي نولد فيها، ولا المدينة، ولا اللغة التي نتعلمها، ولا الظروف التي تكبر معنا.
ومع ذلك، قد نصل الى مرحلة نظن فيها ان كل ما نحن عليه كان اختيارا منا.
قد يتعرض شخص لخذلان، فيصبح قليل الثقة بالناس. وقد يفشل في تجربة، فيبدأ في الشك في قدرته على النجاح.
المشكلة اننا نحول ما حدث لنا الى حكم على انفسنا.
نقول انا فاشل، بدل ان نقول فشلت.
نقول انا ضعيف، بدل ان نقول ضعفت في وقت ما.
فرق بسيط في الكلام، لكنه ليس بسيطا في المعنى.
حتى ذاكرتنا لا تحفظ الماضي كما هو.
نحن نتذكر، ثم نعيد فهم ما حدث كلما تغيرنا.
شيء كان يؤلمنا في العشرين قد يبدو مختلفا في الخمسين.
وشخص كنا نراه بطريقة واحدة قد نكتشف بعد سنوات اننا لم نفهمه كما ينبغي.
لهذا لا نعيش الماضي نفسه دائما، بل نعيش فهمنا له.
وربما لهذا ايضا نتأخر في تغيير بعض افكارنا عن انفسنا.
نتمسك بصورة قديمة، رغم ان الحياة تغيرت.
نظل نرى انفسنا كما كنا في المدرسة، او كما وصفنا شخص ذات يوم، او كما خرجنا من تجربة صعبة.
ثم نقول هاذي هي الدنيا.
لكن شكون قال بلي ما نقدرش نبدل منها حاجة؟
لا اقصد ان علينا ان ننسى الماضي.
بعض ما جاء منه جزء جميل من حياتنا.
اب ترك لنا شيئا نحبه.
ام علمتنا شيئا لا يزال معنا.
مدينة غادرناها وبقيت في الذاكرة.
اشخاص رحلوا، لكن بعض كلامهم ما زال حاضرا.
لا نستطيع ان نفصل انفسنا عن كل هذا، ولا اعتقد اننا بحاجة الى ذلك.
المهم ان نعرف ما الذي نريده نحن وسط كل ما وصل الينا.
حين اقرأ رواية، افكر احيانا في الشخصيات التي كان يمكن ان تصبح مختلفة لو اتخذ الكاتب قرارا اخر في بداية الحكاية.
ثم افكر في حياتنا.
قرار صغير قد يغير طريقا كاملا.
لقاء واحد قد يفتح بابا لم يكن موجودا.
وفرصة رفضناها قد تظل في الذاكرة طويلا.
هذه الاحتمالات التي لم نعشها تبقى في مكان ما داخلنا، لكن لا يمكن للانسان ان يعيش كل الاحتمالات.
عليه ان يكمل بما اختاره، او بما قادته اليه الحياة.
المهم الا يعتقد ان كل شيء انتهى عند هذه النقطة.
ربما تأتي لحظة يسأل فيها الانسان نفسه من كتب هذه الصورة التي اعيش بها؟
عندها يبدأ في النظر الى حياته بطريقة مختلفة.
لا ليبحث عن شخص يلومه، بل ليعرف ما الذي اخذه من الاخرين وما الذي اختاره بنفسه.
قد لا يجد جوابا كاملا.
وربما لا يحتاج اليه.
يكفي ان يعرف ان بعض ما في داخله ليس قدرا لا يتغير.
وان الانسان، مهما حمل معه من ماض، يستطيع ان يضيف شيئا جديدا الى حياته.
عندها لا يبقى السؤال من كتبني؟
بل ماذا سأكتب انا؟
