
د.أنطوان يزبك
في لبنان بلد الأرز والسماء الزرقاء، تجد الشعر والأدب والفكر في جوار الطبيعة الخلّابة، إذ تعثر مع كلّ طلة قمر وراء الجبال الدهريّة، على شاعر مميّز. و مع كل إشراقة شمس على أرض الخصب وبلد الفكر واللون والشعر و الكلمة، تجد قصيدة بانتظارك لتعيد الحياة إلى روحك المضطربة و تساؤلاتك الملحّة.
لكن و بشهادة العارفين، ليس كل ما يكتب شعرا، لأن الشاعر الحقيقي هو ذلك الذي ينطلق من خلفية فلسفية عاطفية إيمانية عميقة ، ويزرع في شعره روح الحب الحقيقيّة الخالصة والسامية، تلك التي تنداح من عُصارة القلب و تجلّيات الروح. أما الشاعر عنتر رزقالله فقد جمع في دواوينه: “خيط العمر ” و “عطر العمر” كلّ هذه الشروط فكانت نفحات وجمالات لا توصف من الشعر اللبناني العذب.
له قصيدة مشهورة عنوانها: “وينك يا خالق هالبشر والكون” تناول فيها الشاعر صراعات النفس واليأس والبحث عن الخلاص الروحي، في أبيات هذه القصيدة المميزة؛ يقول عنتر رزقالله:
“وينك يا خالق البشر والكون دخلك يا ربي ليش تاركنا
وحدك يا الله انت نجدتنا
حلم الهنا بلبنان مية لون
هالقد صعبة كثير وقعتنا”
هذه الصرخة الوجوديّة المؤمنة هي صرخة اتّحاد بين الإنسان المعذّب والخالق، صرخة يطلقها كل إنسان على هذه الأرض وهو في خضمّ العذابات والقهر والمشاكل التي تواجه البشر في كلّ مكان. بيد أن التساؤل على لسان الشاعر، يتحوّل إلى قضيّة وتتضح الصورة أكثر فأكثر في ذهن المصغي المتلقي .
في قصيدة أخرى، يشرح الشاعر العلاقة بين الحب والكتابة وحبر القصيدة مازجا بين كل هذه العناصر حتى تتكوّن كما تتكوّن النجوم في السماء قائلا:
حبر الورق مش هيك بالصدفة انكتَب
هيدا وجع من حبر جرح الغمزتين
هيدا حكي مكتوب من جرح وتعب
هيدا دمع سهران جوا العينتَين
ولما القصايد يعملو ب فكري سبَق
بسهَر تلاقي الفرق بين الضحكتين
عقلي بياخدني ركض ع وراق الحبق
مطرح ما عطرِك كان جوا الدمعتين
وكلما ع بالي عيش وينساني التعب
بغمر ع صدري شال عطرِك ع السريع
برجَع بفكري ل عمر من ورد وعنَب
بشرب خمر منشال من زهر الربيع
في قصيدة أخرى، محورها اللون الزهري تتماهى صورة الحبيب مع هذا اللون المبهج الذي يصبح عنوانا بصريا خارقا للمسَافة الماديّة والزمن غير المادي، في العلاقة التي ينسجها الحب الذي يأخذ نسغه من الوجود ويعطي للعاطفة كل طاقات الأحاسيس المجنونة التي تتسارع في قلب الشاعر كما في سباق مجنون.
يقول عنتر رزقالله في” قصيدة شو كنت اعشق لونِك الزهري “:
بتتذكَري لمّا لتَقينا زغار
شو غار قلبي عليك من قهري
من هيك لما صرنا كبار
كلما ع بالي يضحك المشوار
يشتاق قلبي ل لونِك الزَهري!
شيطان شعري من يومها سكران
كلما مرق ب الفكر ع تمِك
انتي ومعي ب كمشة فرح فرحان
وقلبي بقي ع سطيحتِك سهران
وياما ليالي ب العتم شَمِك .
في معظم الأحيان، يعجز الكلام عن التعبير عن المشاعر الصادقة ويشعر الإنسان و كأنّه يغرق في لجّة الضياع، وبحسب علم النفس وخبرات ومشاهدات أهل العلم؛ يبقى شعور الحب الأكثر إيلاما بين كل المشاعر في حال حصل انفصال أو افترق الحبيبان، و يبقى الحب ذلك الصوت الذي لا ينفك ينادي في الصمت والضجيج على حدّ سواء والألم يبقى حاضرا في النفس مهما تبدّلت الظروف والنسب.
في شعر عنتر رزقالله معين لا ينضب من المشاعر والصور وهو لا ينسى الشاعر محنة الوطن فيقول عنها:
تحت السما في جرح ناطر خَي
وجرح الوطن ما طاب لازملو دوا
ولَولا بقي ب العين نقطة مَي
منقسم دمـوع العمر بالموطن سوا!
هذه باقة من شعر عنتر رزقالله لا تفيه حقه ، بيد أنها تخدم مثل قطرة عطر الياسمين وتعطّر الأجواء وتسهم في منح القارىء نافذة مشرّعة على الحب والحياة!
