افتتاحية العدد: هل أصبحنا في عصر التفاهة؟ أشرس المعارك الكتابة
بقلم رئيسة التحرير: إخلاص فرنسيس
هذا السؤال الملحّ يضعنا أمام أحد أخطر مفاصل أزمة الفكر والإبداع في زمن الأتمتة: هل أصبحنا نعيش عصر التفاهة بدلًا من عصر الكتابة؟
الجواب يظهر بوضوح، نحن أمام مرحلة تاريخية تسعى فيها التفاهة إلى ابتلاع فعل الكتابة الإبداعية الأصيلة، ولم تعد التفاهة مجرّد كلمة عابرة على منصات التواصل الاجتماعي، بل تحولت، بفضل الذكاء الاصطناعي والتوليد الرقمي، إلى “تفاهة متمكّنة” ترتدي مسوح البلاغة والأكاديمية، وتدّعي الإبداع والفكر، وهما منها براء. يستقبلني الصباح بدفئه، والشمس بوجهها الباسم، بينما أشعر أنّ كلّ ما حولي في مواجهة حادّة مع ظلّ النفس، أطلّ على الفضاء الأزرق فأجد يد الآلة حاضرة في معظم ما تقع عليه العين، حتى بات السؤال الأكثر إلحاحًا:
أين يقف المثقّف الذي ينتمي حقًّا إلى مجتمعه الثقافي، في هذا السيل المتدفّق من الأخبار والنصوص التي تتعرّى تدريجيًّا من حسّها الإنساني؟ فبعدما كان القلم جسر التواصل بين المثقّف والآخر، يبدو اليوم مشوبًا بكثير من الألياف الاصطناعية، وغارقًا في دهاليز الانفصال عن الواقع الاجتماعي.
أرتشف قهوتي، وأبتسم وأنا أتذكّر مصطلحًا ابتدعته في حديث لي مع صديق “قديسو الذكاء الاصطناعي” أولئك الذين اختاروا الطريق الأسهل، فآثروا الآلة على الذات، والاستسهال على المعرفة، والتسكّع في الفضاء الأزرق بدلًا من تقليب صفحات الكتب. لم يعودوا يبحثون عن الفكرة، بل عن أسرع طريق لإنتاجها؛ ولم يعودوا يحاورون المعنى، بل يكتفون بإعادة تدويره. أشعر كأنّنا نسير في حقلٍ مزروعٍ بالألغام. لكلّ إنسانٍ حقّ الاختلاف عن الآخر، ولكلٍّ منّا خصوصيته ورؤيته للأشياء، ورؤيتي ربما تكون مؤلمة لأنّي لم أعتد الوقوف مكتوفة اليد، فكلما أردت كتابة نصّ خرجت من صومعة الجدران الصماء إلى أحضان الطبيعة لأحقّق ذاتي، وأربأ بفكري عن كلّ ما هو مصطنع، عازلةً نفسي عن جميع المؤثّرات الزائفة. لكن الجناية الكبرى ليست في الذكاء الاصطناعي في حدّ ذاته، بل في تسطيح استخدامه، وإلغاء الجهد الذاتي، ذلك الجهد الذي يخوضه الكاتب أو الباحث في محاورة الكتب، ومجالسة الذات، والصراع الطويل مع المعنى، ومحاولة الوصول إلى فكرة تستحقّ أن تُكتب.
وهنا أتذكّر شاعر الزجل طليع حمدان حين وصف مشقّة الكتابة بقوله:
كلمات شعري كتبتها تنهيد
كل كلمة مكلفة دمعة
شمعة حملت بتلات صابيع الإيد
ولّعتها وكتبت فيها شعري
احترقوا صوابعي ودابت الشمعة
في هذه الصورة الشعرية تختصر الكتابة الحقيقية، ألم، وجهد، وتجربة، ووقت، وشيء من الكاتب يذوب في كلّ كلمة.
وحين تُسلب من الإنسان هذه المعاناة، يُسلب معها جزء من جوهره الإنساني، تصبح الأفكار مجرد خوارزميات تعيد تدوير المتاح، والنصّ أشبه بعملية تلقيح اصطناعي، يولد منها كائن لغوي متقن الشكل، لكنّه يفتقر إلى الحنان والحرارة والذاكرة.
أتأمّل العزلةَ والإفلاس والتشوّهَ الإنساني، وانتهاك الروح الإبداعية والسلام النفسي والطمأنينة الأخلاقية، ربما أُعظّمُ حجم المشكلة، لكن انطلاقاً من فهمي لما يدور حولي في هذا الوجود، أسعى دائماً لتجاوز السطحيات. ولكن كلما قرأت نصًّا مولّدًا صناعيًّا رأيت شناعة ما يحدث، حيث تكبر الفجوة المعرفية لتعصف بقيم الإنسان، وكرامة الحبر والقلم، واحترام الفكر الآخر القادر على التحليل، وذلك الإحساس المنزّه عن غزو الآلة.
ما تزرعه الآلة لا تقبله أخلاقيات الإنسان، من استنساخ النصوص، إلى زرع السؤال في رحم الآلة ليولد مخلوق هجين، مجرد من الحنان، تلقيح اصطناعي، فتتكدّس كائنات غريبة في زوايا “السوشيال ميديا”، وإذا استطاع هؤلاء أن يبرّروا عملية الاستنساخ والابتذال يبقى العبء الأخلاقي على عاتق من يقدّسون تلك النصوص، حيث يرون أنّ من يمتلك القدرة والمعرفة في استخدام الآلة يُشار إليه بالبنان، تقديس الكومبارس وتهميش البطل، فيجد المبدع الحقيقي ذاته في أزمةٍ تفرض عليه انحساره، وتتعمّق غربته؛ فتصبح نعمة المعرفة عبئاً، والإبداع لعنة، والحداثة قيداً وعجزاً صامتاً ومرّاً… لتتوالى القصص والمتناقضات في تكريس السطحية وتهميش المعرفة. نحن لسنا في نهاية عصر الإبداع الإنساني، بل في أشرس معاركه ضدّ السهولة، والابتذال، والتكرار، والاستنساخ، وضدّ الوهم القائل إنّ امتلاك الأداة يعني امتلاك المعرفة.
إذا كانت التفاهة اليوم وليدة التكنولوجيا، والأرقام، والسرعة، والانتشار، فالكتابة الإبداعية الحقيقية تملك الروح، والتجربة، والدهشة، والخلود. لهذا، فإنّ المثقّف الأصيل ليس مَن يرفض التكنولوجيا خوفًا منها، ولا من يستسلم لها إعجابًا بها، بل من يعرف كيف يستخدمها من دون أن يسمح لها بأن تستخدم عقله وقلمه بدلًا منه.. لا بدّ من يقظة العقل والقلب وإلّا..
