« حين تصبح الثقافة فعلاً من أفعال الوعي »
ثمّة لقاءات ثقافية تنتهي بانتهاء ساعاتها، وثمّة لقاءات أخرى تترك في النفس شيئاً من أثرها، كأنها لا تنتهي حين تنفضّ الندوة، وإنما تبدأ بعدها في الذاكرة والفكر؛ ولعلّ ندوة غرفة 19 التي انعقدت مساء الاثنين 14 سبتمبر 2026، تحت عنوان: « إشكالية إعادة إنتاج الواقع الثقافي في الأدب؛ رواية، ومسرح، وسينما »، كانت من تلك اللقاءات التي تتجاوز موضوعها المباشر، لتفتح نافذة أوسع على الثقافة ودورها في تشكيل الإنسان والمجتمع.
وقد تشرفت بمتابعة هذه الندوة القيّمة عن بعد ، فوجدت فيها نموذجاً جاداً لما يمكن أن تكون عليه المنابر الثقافية حين تتحول من مجرد فضاء للحديث إلى مساحة حقيقية لتبادل الأفكار، وإثارة الأسئلة، وإعادة النظر في علاقتنا بالأدب والفن والمجتمع.
كل الشكر والتقدير للأستاذة إخلاص فرنسيس القائمة على هذه المنصة ، وصاحبة الرؤية التي جمعت خيوط هذه الندوة، وأتاحت لها أن تتحرك في فضاء معرفي رحب، يربط بين الرواية والمسرح والسينما، لا بوصفها أجناساً فنية متجاورة فحسب، وإنما بوصفها طرائق مختلفة لقراءة الواقع وإعادة إنتاجه وتأويله.

وفي هذا السياق، جاء إسهام الدكتور علي الشوابكة، الناقد الفني ورئيس قسم الإنتاج الدرامي في التلفزيون الأردني، من خلال قراءته النقدية لمسرحية « روبابيكيا »، قراءةً كشفت عن طبقات العمل الفنية والاجتماعية، وفتحت باباً للتأمل في علاقة المسرح بالواقع الذي ينشأ منه، وبالإنسان الذي يعود إليه.
كما قدمت الدكتورة دورين سعد، أستاذة النقد الأدبي اللبنانية، قراءة نقدية عميقة لرواية « البعوض » للكاتب الأمريكي وليام فوكنر، مستحضرةً أدوات النقد الأدبي في مقاربة عالم روائي تتداخل فيه الذات والمجتمع، والإنسان والواقع، وما يقوله النص وما يتركه للقارئ كي يقوله من بعده.
أما المخرج المصري الأستاذ أحمد عبدالعليم قاسم، فقد نقل النقاش إلى فضاء السينما العربية، متوقفاً عند واقعها الراهن، وما يحيط بها من تحديات، ولا سيما غلبة الاعتبارات التجارية في بعض تجلياتها على حساب بعدها الفني والثقافي، بما يجعل السؤال عن السينما سؤالاً يتصل، في جوهره، بصورة المجتمع عن نفسه، وبقدرته على أن يرى واقعه بعين الفن لا بعين السوق وحدها.
وقد بدا جميلاً أن تلتقي هذه القراءات الثلاث في مساحة واحدة، وأن تتحول الندوة إلى حوار مفتوح بين الأدب والمسرح والسينما والنقد والمجتمع والإعلام؛ ذلك أن العمل الإبداعي لا يعيش منفصلاً عن بيئته، ولا ينتهي عند حدود منتجه، وإنما يظل في حالة تفاعل مستمر مع المتلقي، ومع تحولات المجتمع، ومع ما أحدثته تكنولوجيا الاتصال ونظم المعلومات ومنصات الإعلام الجديد، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي الذي يعيد اليوم تشكيل كثير من مفاهيم الإبداع والتلقي وإنتاج المعنى.
ولعلّ من أجمل ما أضاءت عليه الندوة ذلك المعنى الواسع لمفهوم الثقافة ، بمعناها الواسع الذي يتجاوز حصرها في الأدب والفنون والعلوم. فالثقافة، بهذا المعنى، هي ذلك التراكم من الفعل الانساني الذي يشتمل على المعرفة، واللغة، والفن، والأخلاق، والمعتقدات، والأعراف الاجتماعية، والعادات والتقاليد، وكل ما ينتجه الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع.
وعند هذا المعنى تتسع الثقافة حتى تكاد تلامس الحياة كلها؛ فهي ليست شيئاً نذهب إليه في قاعة أو نقرأه في كتاب، وإنما هي الطريقة التي نعيش بها، ونفكر بها، ونتحدث بها، وننظر بها إلى أنفسنا وإلى الآخرين؛ إنها صورة المجتمع في مرآة وعيه، وعنوان هويته، والذاكرة الحية التي تميزه عن غيره من المجتمعات؛ ومن هنا تصبح الثقافة والمجتمع وجهين لعملة واحدة؛ إذ لا يمكن أن نفهم مجتمعاً من دون أن نقرأ ثقافته، ولا أن نفهم ثقافته من دون أن نقرأ الإنسان الذي صنعها ويعيشها ويعيد إنتاجها كل يوم.
ومن هنا أيضاً تأتي أهمية مثل هذه المنابر؛ لأن الثقافة، في معناها الأعمق، ليست ترفاً معرفياً، وإنما هي إحدى الطرق التي يصنع بها المجتمع وعيه بذاته، ويراجع أفكاره، ويختبر علاقته بماضيه وحاضره ومستقبله.
وإذا كانت غرفة 19 قد اختارت أن تجعل من الثقافة جسراً بين الجغرافيا والإنسان، وبين الأدب والفكر، فإنها بذلك تؤكد أن المنصة الثقافية تستطيع أن تكون أكثر من مكان للنشر أو الندوات؛ يمكنها أن تكون مساحة للوعي، ومختبراً للأفكار، وبيتاً تتجاور فيه التجارب الإنسانية على اختلاف لغاتها وبلدانها وأشكالها.
وهنا لا بد من وقفة وفاء وتقدير للأديبة والمفكرة إخلاص فرنسيس، مؤسسة ورئيسة تحرير مجلة غرفة 19 ومديرة ندواتها، على ما تبذله من جهد في إبقاء هذه المساحة الثقافية حيّة، وعلى ما تمنحه للكلمة من مكان يليق بها، وللفكر من منبر يتيح له أن يصل ويتفاعل ويترك أثره.
والشكر موصول إلى الأستاذ نعيم حنا، المستشار العلمي للمنصة، على حضوره وإسهامه في ترسيخ البعد المعرفي والعلمي لهذه اللقاءات، وإلى الدكتورة دورين سعد، وإلى الدكتور علي الشوابكة، والمخرج الأستاذ أحمد عبدالعليم قاسم، وإلى كل من شارك في صناعة هذه الندوة وإثرائها، وكذلك إلى السيدات والسادة الذين حضروا وتابعوا وشاركوا في الحوار.
وكل التقدير لمنصة غرفة 19 والقائمين عليها، وهي تواصل أداء رسالتها بوصفها منارة لنشر الثقافة الراقية والفكر المستنير، وقدوة في السعي الجاد إلى تكريس الوعي، وبناء الإنسان، والنهوض بالمجتمع.
فالثقافة، في نهاية الأمر، ليست ما نعرفه فقط، وإنما ما يغيّر فينا شيئاً مما كنا عليه … وربما لهذا تظل بعض الغرف، مهما صغر اسمها، أوسع من جدرانها؛ لأنها حين تفتح أبوابها للكلمة والفكرة، يصبح المكان مساحةً للإنسان، ويصبح الحوار طريقاً آخر من طرق الوعي …
ومن هنا، تبدأ الحكاية التي لا تنتهي بانتهاء الندوة.

عماد عواودة أبو حازم
