
بقلم: عماد عواودة، ابو حازم..
في بعض الأزمنة لا تأتي الأفكار فرادى، وإنما تولد متجاورة، كأنها أبناء لقلق واحد؛ والقرن العشرون العربي كان واحداً من تلك الأزمنة؛ قرنٌ خرجت فيه الأمة من أثقال الاستعمار، وسقوط الخلافة، وتبدل الخرائط، وصعود الدولة الوطنية، والحربين العالميتين، والحرب الباردة، والقومية، والشيوعية، والرأسمالية، وحركات التحرر، والنكبة، ثم الاستقلالات التي حملت معها أحلاماً كبيرة، وواقعاً أكثر تعقيداً.
وفي قلب هذا المشهد ظهر مفكرون كثيرون، اختلفت منطلقاتهم وتقاطعت غاياتهم، لكنهم كانوا جميعاً تقريباً يتحركون حول جرح واحد: لماذا تأخرنا ؟، وكيف يمكن أن نستعيد قدرتنا على صناعة التاريخ؟..
ومن هنا تبدو قراءة هؤلاء المفكرين اليوم أكثر أهمية من مجرد استعادة أسمائهم أو إعادة سرد أفكارهم؛ لأن القضية لم تكن في ندرة العقول، وإنما ربما في طبيعة البيئة التي احتضنت تلك العقول، وفي قدرتها على تحويل الأفكار الفردية إلى مشروع فكري متصل.
كان بعض هؤلاء قد تلقى تعليمه في جامعات غربية، أو تشكل وعيه داخل مناهج معرفية غربية، وبعضهم بقي أقرب إلى التراث ومؤسساته؛ وليس في ذلك، بذاته، ما يدين أحداً أو يزكي أحداً؛ فالمعرفة لا تعرف الحدود، والمفكر الذي يذهب إلى الآخر لا يفقد بالضرورة صلته بذاته؛ بل قد يعود أكثر قدرة على اكتشافها.
لكن الفارق يكمن في طريقة التعامل مع ما يُؤخذ من الآخر: أهو استيراد لنموذج جاهز، أم معرفة تُعاد قراءتها وإعادة تركيبها داخل الخصوصية الحضارية؟..
هنا تظهر أهمية الحديث عن الحاضنة الفكرية؛ فقد لا يكون السؤال عن وجود أجندة خارجية بالمعنى المباشر، وإنما عن وجود بيئات معرفية وثقافية كانت أكثر استعداداً لاحتضان بعض الاتجاهات الفكرية من غيرها؛ مؤسسات، وجامعات، ومجلات، وصحافة، وأحزاب، ومراكز ثقافية، ومؤثرات دولية، كلها كانت تشكل المجال الذي تتحرك داخله الفكرة قبل أن تصل إلى القارئ.
في هذه البيئة ظهر « مالك بن نبي »، لا باعتباره مفكراً معزولاً عن عصره، وإنما باعتباره واحداً من الذين حاولوا أن ينظروا إلى الجرح من طبقة أعمق.
كان كثير من مفكري النهضة منشغلين بالاستعمار، والجمود، والجهل، والتخلف، والاستبداد، ومشكلة العلاقة بين الأصالة والحداثة؛ أما « ابن نبي » فحاول أن يذهب إلى البنية التي تجعل مجتمعاً ما قابلاً لإعادة إنتاج تخلفه حتى بعد زوال المستعمر.
تكمن قيمة مفهوم إبن نبي عن « القابلية للاستعمار »؛ فالمستعمر عنده ليس كل الحكاية؛ إنه نتيجة أيضاً لبنية داخلية تسمح له بالنفوذ؛ ولذلك لم يكن السؤال عنده: لماذا اُستعمِرنا فقط؟ بقدر ما كان أعمق من ذلك: ما الذي جعل استعمارنا ممكناً، وما الذي يجعل آثاره قابلة للاستمرار بعد رحيله؟..
هذه النقلة من الظاهرة إلى البنية هي التي تجعل « ابن نبي » صالحاً ليكون مقياساً نقيس به بعض مشاريع عصره، لا لأن فكره يعلو بالضرورة على كل فكر معاصر له، وإنما لأنه حاول أن يرى العلاقات بين الإنسان والثقافة والزمن والحضارة والاستعمار في صورة واحدة.
فـ « طه حسين »، كان يقترب من سؤال التعليم والتحديث، والعقاد من العقل والشخصية والاستقلال، وإقبال من إعادة بناء الفكر الديني، وأحمد أمين من قراءة التحولات الثقافية والحضارية، وسيد قطب من سؤال المجتمع والحاكمية والجاهلية، ومحمد الغزالي من الإصلاح الديني والاجتماعي، وغيرهم ممن حملوا أجزاء مختلفة من المشهد.
لم يكونوا نسخاً من مشروع واحد، ولم يكن اختلافهم عيباً في ذاته؛ بل إن الاختلاف بين العقول يمكن أن يكون علامة حياة؛ لكن المشكلة تبدأ حين لا يتحول الاختلاف إلى حوار، ولا يتحول الحوار إلى تراكم، ولا يتحول التراكم إلى مدرسة فكرية تستطيع الأجيال اللاحقة أن تبدأ من حيث انتهى السابقون.
لربما كان هذا أحد أكبر مآزق الفكر العربي في القرن العشرين.
كان لدينا مفكرون، لكن لم تتشكل بالقدر الكافي عملية فكرية متصلة؛ يأتي مفكر فيبني على من سبقه، ويصحح له، ويختلف معه، ثم يأتي ثالث فيتجاوز الاثنين، حتى تتكون مع الزمن بنية معرفية عربية إسلامية مستقلة، لا ترفض الغرب لمجرد أنه غرب، ولا تستسلم له لمجرد أنه متقدم.
التأثر بين المفكرين كان موجوداً بصورة أو بأخرى، إيجاباً وسلباً؛ فقد يقرأ مفكر فكرة فيعارضها، ثم تصبح تلك المعارضة جزءاً من تكوينه الفكري؛ وقد يستفيد من فكرة دون أن يتبنى صاحبها كله؛ وربما كان الاختلاف نفسه شكلاً من أشكال التأثر؛ إذ لا يخرج العقل من مواجهة فكرة كبيرة كما دخل إليها.
غير أن التحديات التي أحاطت بذلك الجيل كانت أثقل من أن تُختصر في خلاف فكري؛ فقد كانوا يعيشون زمناً تتغير فيه الخرائط والأنظمة والمفاهيم معاً، ويواجهون استعماراً مباشراً، ثم تبعية سياسية واقتصادية وثقافية، ويبحثون عن موقع بين تراث عظيم ونموذج غربي يفرض نفسه بوصفه عنواناً للتقدم.
لذلك ربما كان من الظلم أن نطلب من ذلك الجيل أن يقدم نموذجاً نهائياً، لكن من حقنا أن نتأمل لماذا لم تتصل خيوط تلك المشاريع بعد رحيل أصحابها؛ ربما لأن النهضة لم تكن تحتاج إلى مفكر واحد، وإنما إلى وعي جمعي قادر على جمع شظايا الفكر في بناء واحد.
هنا تعود المسألة إلى الإنسان نفسه.
النهضة ليست فكرة تُكتب ثم تنتظر التنفيذ، ولا نموذجاً يُستورد ثم يوضع فوق مجتمع مختلف؛ إنها قبل ذلك كله تحول في طريقة الإنسان في رؤية ذاته، وموقعه من المعرفة، وعلاقته بالزمن، وقدرته على نقد موروثه دون أن يقطع جذوره، وعلى الاستفادة من الآخر دون أن يفقد استقلاله.
من هذه الزاوية، ربما لا تكون المسافة بين « ابن نبي » ومعاصريه هي القضية الأخيرة؛ القضية الأبعد هي أن تلك العقول جميعاً كانت تبحث، كل من نافذته، عن الإنسان القادر على استعادة فاعليته.
ربما بقيت أفكارهم، رغم اختلافها، تنتظر ذلك الوعي الذي لا يكتفي بأن يقرأ ما قالوه، وإنما يستطيع أن يصل بين ما تفرق من أفكارهم، وأن يرى في اختلافهم مادة للبناء لا سبباً للقطيعة.
الأمم لا تنهض بكثرة ما تملك من الأفكار فقط، وإنما بقدرتها على تحويل الفكر إلى وعي، والوعي إلى إنسان، والإنسان إلى فعل، والفعل إلى بناء…
وإنّ ما تركه أولئك المفكرون لنا لم يكن مشروعاً مكتملاً بقدر ما كان مواد أولية لمشروع لم يكتمل بعد؛ مشروع يبدأ حين يصبح الوعي نفسه قادراً على أن يرى الخيط الذي يصل بين الأفكار المتباعدة، وبين الإنسان وتاريخه، وبين ما كان وما يمكن أن يكون.
( الإثنين ١٤ أيلول ٢٠٢٦، قميم / الاردن )
