د. رفيق أبو غوش
حينَ تُدعى إلى حضور أمسية شعرية يتملّكك الفرح لأن الشّعر سحابٌ ماطرٌ في صحراء الحياة المتعطّشة للجمال. وحينَ يُستثنى العقلاء من الدعوة، وتقتصرُ فقط على المجانين – وما أكثرهم – تشعرُ أنك في حفلةِ جنون، وحتى العاقل لا يصدّق أته بمنأى من الاحتراق في اتون اللعبة. الليلة كنّا على موعد، وعلى مساجلة ما بين المسّ والإدراك. أدركنا جنون الشّعر من دون أن يصيبنا مَسُّ الشّرر، ولو أننا لم نَسْلم من وخزٍ وحفٍّ ونقدٍ وتجريح. الأمسية محضّرة بعناية، والتوطئة لها حاولت أن تُدخلنا عالم المجانين، فإذا بها وبالأسئلة المتنوعة تَضعنا في مقاعد المتفرّجين، وتضيّق الطريق إلى حلبة الرّقص فوقَ دماءِ القصيدة. وهذا لا ينفي أن الأمسية كانت أنيقة ودافئة، وحضور الشّعر فيها حضورَ الزهر وملكاته في ثيابِ الحديقة شمًّا وضمًّا ولَمسا. وبعد
” زاهر أبو حلا” شاعرٌ ولا أحلى، مسكونٌ بالجنّ، مهجوسٌ باللعب بصدر الكلمات، هاربٌ من لجّة النّار إلى ضفّة النّور من دون أن يتخفّفَ من موجة الإثم التي تُحرقُ أصابعه.
من أوّل لمسةٍ يفجؤك بالوهج يلفح خصرَ الكلمات، ويرشقك بالحبر الخطّاط فيجرحُ ويصيب، وبرمية حرف يُدخلك مدار المتاهة فتضيع غير عارفٍ أيّ الأمواج تأخذك إلى اللّجّة، وأيّها تعود بك بأمان إلى شاطئ اليقين. ومن خلال هذين الكرّ والفرّ أنت كمن يركبُ غيمة تحسُّ معها أنك بمنأى من السّقوط، لكنّك، سرعان ما ترتطمُ بجانح الإثم، فيغويك التّحليقُ وتعود إلى الشّط إنّما من دون أمان. فالشّعر عندهُ يمارس وظيفتهُ التداوليّة بوصفه غواية، وفي وظيفته الاستكشافيّة بوصفه تيهًا وشيطنة. أمّا التّوهّج فهو الألقُ على براعةٍ في التّصوير، وتوتّرٍ في عصب العبارة، حتى لتظنَّ أنه مارقٌ لا شاعر. فالمواءمة بين الألقِ والشّعر يصحُّ فيه قولٌ قديم لشاعرٍ قديم:
وقد خشيتُ أن تكون مارقًا راويةً مرًّا ومرًّا شاعرا
وعلى احتفاله بالكلمة المُعَاشة يبني الشّاعر عمارته حجرًا حجرا، ويسكبُ مفرداته في حيّزٍ ضيّق، ويروحُ يُضيّقّ عليها الثّوب حتى تتمزّق أزراره، فيضمّها إليه من جديد منحوتةً، معقّمة، جاهزة للحفِّ والضّمِّ ولليلة العرس، أليس هو الخاطبُ الدائم ودَّ الكلمات!؟ أوليست هي المتدلّلة عليه على الدّوام!؟ ومع هذا يقيم الأعراسَ ويحتفي بالشّعر احتفاؤه بكلِّ جميلٍ ومثير.
وهو يتصيّدُ الصّورةَ كمن يضعُ فخًّا لنجمة، فإذا أفلتت منهُ صنّفها مع الجواري، وإذا ما وقعت في الفخّ طلبها وخطبها ووضعها مع الملكات، وما أكثرَ ملكاتِ شعره. ثمَّ أن هذه الملكات يأخذها ويروح يدوّرها ويوشّيها ويصفّيها ويضعها في جدار البناء الشّعري ولا يعودُ إليها ثانيةً مع أنّهُ لا يخاف من أن لا يعدلَ بينهنّ، وما شأن الملكات بالشّاعر إذا ما تزوّج بنات الأرض كلّهن!؟ ألا يكفي الشّاعر أنّه منكودُ الحظّ، مجنونُ ومهووس، ضجِرُ ومتبرّم. وعندما أرادت القوّة السّماوية أن يكون الشّاعر في هذه العالم الضّجِر صاحت أمّه من وجعها: لماذا لا أحمل في بطني حائطًا من الحيّات بدل هذا الشّاعر المنكود الحظّ كما يقول بودلير. ألأنّ الشّاعر من حيث هو لعنةٌ الحياة؟ وعبءٌ على الكائنات، ويُثقلُ الأرض إذا ما مشى فيها، وعلى هذا الأساس أخرج أفلاطون الشّعراء من جمهوريّته، وكذلك فعل ألكسندر بوب حين اتّهمهم بأنهم أشدُّ المخلوقات عبثًا بين البشر. وها هي لعبة أبي حلا تُخرجهُ من جمهوريّة الهائمين لتقذفِ به زنديقًا جميلاً على شاطئ الإبداع والتّميّز.
ولأنه كذلك فهو يُنقّح شعرهُ، وينخلهُ ويطرح زؤانه حتى يستوي خبزًا شهيًّا على مائدة الذّائقة. وكثيرًا ما ينتظرُ الكلمة أشهرًا كي تأتي إليه، وقد يستغرقُ بناءُ القصيدة معه سنواتٍ لتولد. فرحِم الشّاعر فضفاض، لا يُتعبهُ الحَملْ، حتّى إذا ما حان موعدُ الولادة وُلد إبليسٌ وهُبَلْ والنمرود. فشيطانهُ لا ينفكُّ يلازمه ويوسوسُ في دماغه أنْ أخرجني من النّار التي تعجنُ رأسي وتُحرق كياني.
وأبو حلا شاعر قصيدة لا يتورّع عن الاقترانِ بها، فاحتفاؤهُ واختيارهُ الكلمة المنتخبة يؤكّدان ما قالته العرب عن الشّعر” وسُميَّ الشّعرُ قصيدًا لأن قائله احتفل به، فنقّحهُ باللفظ الجيّد والمعنى المُختار، وقصد إليه قصدًا واجتهد في تجويده ولم يقتضبهُ اقتضابا” (ابن منظور). وبهذا، فالشّاعر يصنع قصيدته، ويقصّبُ حجارتها على إيقاعِ الشّعورٍ وعدسات التّصوير. فالنّحتُ والتفليذُ والنغوشةُ والتقصيبُ من عدّة أبي حلا الشّعريّة، والهزّ والرّقصُ أشياء تمارسها الكلمات على حبلِ قوافيه المشدود.
على أن مقاربته الأماكن ومظاهر الطبيعة في بيئته الجميلة يجعلُ من شعره سُبحاتٍ تكرُّ كما رنّاتِ العنادل. أمّا احتفاؤهُ بنفسه وبمآثره في كثيرٍ من القصائد، فقد أفقد شعرهُ شيئًا من بريق اللغة، حتّى لكأنّه بحّارٌ شرّع سفينته لرياح الإثم تحملهُ إلى مطارحَ باردة، رتيبة يشهدُ فيها على سفكِ دمِ القصيدة. فالإكثار من ذكرِ السّيوف وأخواتها يجرحُ خدود الجمال، لأن الشّعر جنونٌ متفلّتٌ من كلّ قيد، طائرٌ يطير في الأثير. وعندما يُلزم نفسهُ خطوطًا مكرورة يقعُ في فخّ التقليد. وصراعُ القديم والجديد لم يُفضِ إلى تقدّمِ الواحدِ على الآخر أو إلغائه كما يتوهّم بعضُ غلاة الرأي، فحيثُ يكون الجمال يكون الشّعر، وقد حانَ الوقت لكي تُقصى هذه النزعة الأيديولوجية المتحكّمة ببعضِ المنافحين عن تراثٍ صار في بعضِ تجلّياته مستودعَ خردة لا يُسمن ولا يُغني من جوع. وهنا أُخالفُ الشّاعر أبو تمّام بقوله للبحتري: “كُنْ كأنّك خيّاطٌ يقطع الثياب على مقادير الأجسام” إبن رشيق القيرواني.
أمّا اللعبة الشّعريّة التي يلعبها أبو حلا مستخدمًا فيها بنات الأكابر من ألفاظ وتراكيب كما ألمح إليه الشّاعر سعيد عقل في مقدّمة “صبا الأبد” فتهزّك حيث الحروف تتهادى، والكلمات تتوارد وتتكرّر مولّدةً إيقاعًا جميلاً عرف أبو حلا كيف يوظّفهُ في خدمة الجمال، فدسَّ فيه نقاطًا من الدّهشة والتّطريب، فإذا أنت في ظلال “السعدقيّة” التي تأخذك إلى مدائرَ دوّارة، وإذا هي الجمالُ بعينه.
وبعد، فأبو حلا هو نفسهُ في شغبه وفي شعره، لمّاحُ لطيف، عرّافٌ شفيف، لا ينطقُ بغير الشّعر ولا ينحني إلا لربّاتِ الجمال، ونحن معه دائمًا على موعد، عسى أن يُدخلنا في مداره آمنين.
