عيد الاضحي هذا العام بالنسبة لي في مهجري القسري الثالث .. مختلف حمل كثير من القصص و الحكايات .. اهمها علي الإطلاق انه العيد الرابع منذ قيام الحرب (السودانية السودانية ) لم ننحر فيه ضحايانا .. ولم تسل دمائها .. لأن دماءنا نحن ما زالت سائلة لأربعة سنوات و كنا نحن انفسنا ضحايا حرب غبية لا ناقة لنا فيها ولا بعير ….
الوقت يمتد نحو الظهيرة في أول أيام عيد الأضحى بمهجرنا القسري .. و الساعات تمضي ببطء ثقيل .. عقب عودتنا من صلاة العيد .. كل شيء حولي كان صامتاً إلا الذاكرة .. كانت تضج بالحياة .. تارةً تمر أمامي خيالات والدي رحمه الله وهو واقف عند الذبيحة .. يُقسم اللحم بعناية العارفين ببركة القسمة .. يصنفه بين هذا لأهل البيت .. و هذا للجيران و هذا للفقراء .. او اراه مشغولاً بنفخ (الفشفاش) اي الرئتين كما يسمونه و يفعلون في بلادنا لا أدري ما الغرض من ذلك .. لكني كنت افعل كما يفعل والدي .. ولأن ذلك الفعل كان يسعدني جداً .. فأظهر كطفل كبير يعرف كيف يصنع الفرح من أشياء بسيطة .. و تارة أذهب بخيالي نحو والدتي .. (الله يديها العافية) .. و هي تستلم اللحم (الموضب) أي الجاهز للطبخ بعد التقطيع وتكسير العظم .. و الكمونية و ما أجمل الكمونية .. عندما تصنعها أمي .. فأقترب منها بسؤالي الأساسي (الشربوت صفيتوه واللا لسه؟؟؟) والشربوت هو مشروب التمر المخمر ..
فتضحك تلك الضحكة التي لا تشبه إلا البيوت الآمنة .. وتارة يظهر لي صور صغار البيت وهم حول الذبائح فرحين .. ثم تمر وجوه زوار العيد .. و ضجيج الأطفال .. و رائحة الشواء .. و أصوات التكبير المختلطة بالونسة السودانية التي لا تُشترى ولا تُعوض و (شربوت العيد مع الشية المرارة النية) .. و كلها من الاكلات التقليدية و زخم العيد بالسودان .. و وسط هذا الزحام الداخلي أحسست بالجوع .. تفقدت البيت فلم أجد شيئاً .. فزوجتي (ست البيت) مريضة على السرير .. و ابني المسؤول عن جلب الأغراض و الذي حفظ أسمائها (بالأمهرية) غير موجود بالبيت الأن .. فتوكلت على الله و خرجت إلى السوق اتوكأ علي عصاي .. كنت أريد شراء العدس و البصل و الثوم و بعض (ممنوعات د.ضياء العوضي) الذي شغل الاوساط و الناس بنظامه الغذائي المسمي بـ(الطيبات)
دخلت السوق و أنا أشعر أنني كـ(الأطرش في الزفة)
البصل والثوم كانا سهلين .. فهما أمام عيني .. و ما علي سوي الإشارة ثم السؤال المعتاد :- (سِنت نو؟؟؟)
أي بكم هذا؟؟
لكن العدس كان هو المشكلة الحقيقية .. لا اعرف له اسماً
وقفت أمام بائع الحبوب و كانت جوالات الحبوب علي علو لا يمكنني من الرؤية .. فمثلت أنني أخرس .. و بدأت أطلب منه بالإشارات أن يريني ما داخل الجوالات واحداً واحداً .. ففعل بكل ادب و ذوق .. يفتح جوالاً فأهز رأسي .. و يفتح آخر فأشير بالنفي .. حتى وقعت عيني أخيراً على العدس ..
لمسته بيدي كأنني عثرت على ضائع .. ثم سألته فرحاً بلغة امهرية (أند كيلو سِنت نو؟؟؟)
فضحك الرجل فوراً .. و بفطنة الإثيوبيين السريعة فهم أنني أجنبي لا أعرف اسم العدس بلغتهم .. فقال وهو يشير للعدس :- (مِسِر… مِسِر) ثم أردف:- (مِسِر أند كيلو سُست مِتو بِر نَو) أي (واحد كيلو عدس بثلاثمائة بر) والبِر هو العملة المحلية باثيوبيا ….
أخذت أغراضي مع العدس و عدت أسير في الطريق و أنا أردد الكلمة :- مِسِر .. مِسِر .. ثم اكرر مِصِر .. مِصِر .. بصاد اقرب الي السين و أربط الامر في ذهني (بمصر) حتي لا أنسي …..
و فجأة انتبهت لأمر غريب .. و قفزت إلى ذهني الآية الكريمة :-
(اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ)
وتذكرت علاقة مصر بالعدس و بالثوم و البصل وكل ما كنت أحمله في يدي في تلك اللحظة .. احسست
و كأن التاريخ و الأديان واللغات تتشابك داخل كيس خضار صغير في سوق بأديس أبابا .. حيث تذكرت ان العدس مذكور في العهد القديم والعهد الجديد وسفر التكوين .. لكنه من ممنوعات د. العوضي رحمه الله .. ثم أخذت أتأمل الآية كاملة .. و توقفت طويلاً عند ذكر البقل و القثاء و الفوم و العدس و البصل في الآية من القرأن .. و تساءلت هل كلمة (مِسِر) في (الأمهرية) التي تعني العدس لها صلة قديمة بـ(مِصر) التي قيل لبني إسرائيل (اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم)؟
… لا أدري …
لكن الدهشة لم تتوقف هنا
فحين بدأت أبحث عن أسماء بقية الأشياء (بالأمهرية) فوجئت بكلمة أخرى: (باقِيلا) Baqela وتعني الفول .. اليست هي ذات (بَقْلِهَا) الواردة بالقران عند حذف الضمير المتصل(ها) .. أم هو مجرد تقارب لفظي .. يا إلهي .. و هو ذات (الفول) الذي نسميه نحن في السودان بوضوح وعفوية (الفول المصري) يا له من تداخل عجيب بين الشعوب واللغات والأطعمة و الذاكرة و الأديان …
أحياناً تشعر أن الكلمات نفسها تهاجر مثل البشر .. و تعبر الصحارى و البحار و القرون ثم تستقر فجأة داخل طبق عدس في منفى بعيد .. لتطعم مهاجر غريب مثلي غذاء للعقل و الروح و الجسد .. وتجعلك تجد الكثير من الروابط بين الشعوب فقد تذكرت ايضاً انني تعلمت من الهنود بدولة الامارات ان العدس يسمونه (دال) (Daal )و أنه انواع كثيرة و ما نعرفه نحن هو (البرتقالي او الاحمر ) و يسمونه (مِسور دال) (Masoor Daal) .. و كأنها (عدس مصر) تقارب لفظي عجيب يحتاج التأمل ..
و ختاماً ربما نعود لامر هذا التداخل العجيب في كثير من الجوانب لاحقاً فنحن كوشييون كما يقول التاريخ و كذلك يُصنف شعب (الأورومو) باثيوبيا تاريخياً و لغوياً كأحد الشعوب الكوشية .. و ينحدرون من المجموعات الحامية الكوشية الأصلية التي استوطنت منطقة القرن الأفريقي منذ آلاف السنين و يقال ان (ارم ) هو ابن كوش بن حام بن نوح عليه السلام ..
او ربما نعود بكم الي قصة المثل الذي اقتبسنا منه العنوان وهو (الما عارف يقول عدس)

محمد طلب
اديس ابابا
أول ايام عيد الاضحي
27/5/2026
