
كلما قرأت لشربل داغر إلا وأجدني مشدودا بتركيز التركيب اللغوي داغر لا يترك فراغات في نصوصه الشعرية أو النثرية ،لا يترك للقارئ متنفسا للتأمل حتى ينتهي ،فجملة تشدك إلى جملة بل وكلمة إلى كلمة ،يؤسس فضاء من الدلالات من الأحاسيس ومن الأفكار ،إذا قرأت له لا أشعر بالضياع ولا بالتيه، المساحات اللغوية عنده ليست شديدة التعقيد ،ولكن مدلولاتها كصور هي التي تشد القارئ و تصدمه ،فاللغة عند داغر وسيلة لدمج القارئ في أحاسيسه ،إنه يخاطب إحساس القارئ ليتوقد و ينتبه، ويخاطب عقل القارئ لينجذب إلى نسق فلسفي فكري وجداني يتماهى فيه ومعه,لقد ذكرت السكون لأنه تيمة في حد ذاته فشربل داغر لم يهجر قريته أبدا حتى لما ذهب إلى فرنسا أخذها في قلبه في وجدانه لأنها ساكنة والسكون هنا الهدوء الكامل والإندماج الكلي في الطبيعة “فالسكون والهدوء مفردات متقاربة تعبر عن الراحة النفسية والسلام الداخلي، لكنهما يختلفان في الدقة اللغوية والفلسفية؛ فالهدوء هو ضد الإزعاج ويعني ضبط النفس والحكمة والتحكم في الأعصاب، بينما السكون هو ضد الحركة ويعني الاستقرار والجمود والصمت التام.
معاني ومفاهيم
الهدوء: حالة عقلية ونفسية تخلو من الغضب أو الصخب الخارجي، وتدل على الاتزان وسرعة البديهة بحكمة.
السكون: حالة استقرار في المكان والزمان أو سكون الجوارح والنفس عن الحركة الزائدة.
التكامل: يجتمع الاثنان ليعطيا الإنسان طاقة واضحة للتركيز والراحة وسط زحام الحياة اليومية. “هذا التماهي هو الذي ولد التأمل الشديد عند داغر وهو مستمد من طبيعة تكوينه و من قريته الساكنة في الطبيعة،لما أقرء لداغر أحس بهدوء بسكون شامل ،إلا أنه ينقلب فجأة إلى احتدام صراع داخلي شديد لا يمكن معرفة أصل تكوينه ربما يكون في طفولته أو في تأمله الوجودي،”
عندما يتحول الاحتدام النفسي الداخلي إلى كتابة نصوص أدبية، فإنك تقوم بأحد أرقى وأقوى آليات الدفاع النفسي الإيجابية، والتي تُعرف في علم النفس بـ “التسامي” أو “الإعلاء” (Sublimation). هنا، يتحول الألم والضغط إلى طاقة إبداعية مذهلة.
كيف يؤثر الاحتدام الداخلي على النص الأدبي؟
صدق عاطفي هائل: تخرج الكلمات محملة بمشاعر حقيقية تلمس القارئ مباشرة دون زيف.
عمق الشخصيات: القدرة على خلق شخصيات روائية أو قصصية معقدة تعيش صراعات تشبه صراع الكاتب
قوة الصور البلاغية: يميل العقل المحتدم إلى استخدام الاستعارات والتشبيهات القوية والعميقة للتعبير عن مأزقه.
تنوع الأشكال الأدبية: قد يظهر هذا الاحتدام في صورة شعر تفعيلة، خواطر حرة، أو روايات تيار الوعي.”
هاتين الظاهرتبن هما اللتان أسستا لفكر داغر وفجرتا تلك الطاقة الشعرية الرائعة والمدهشة ،فبينما نستمد طاقة الهدوء والسكون يفاجئنا داغر بحالة شديدة جدا على نفسه،
ويمكن رصد هذا التحليل الأدبي في آخر نص نشره”
كنتُ قد صرفتُ صندلي في استباقِ ما يأتي، في دفعِ ذلك الطيف أمامي، كما لو أنني أتحين الفرص في دولابِ يومٍ بعد يوم…
كنتُ قد أدركتُ أن هناك رواية غير ما قرأتُ، وفيلما غير ما شاهدتُ، في ذلك التوالي البغيض والمدهش في آن، في مباغتة الثمار وهي في أشجارها، في تلقفِ النسمة التي تروق لفراشةٍ، في مفاتحة الحياة وهي كامنة”
نلاحظ هنا في تأمله كيف ينتقل إلى ذلك التوالي البغيض،ليتشكل أسلوب البروفسور شربل داغر وتتفحر طاقته الإبداعية الأدبية التي لا تنتهي بل تتدفق عذبة ساكنة متؤثرة
