الزمن الجميل”… هل كان جميلًا حقًا؟ (36)
الأدب في ظل الأنظمة القمعية: حرية معلنة…
وطرد الخارجين عن ثقافة السلطة
في زمنٍ كانت فيه الكلمات تُعامل كأنها منشورات مشبوهة، وكانت القصيدة تُخيف أكثر مما تُخيفه الخطب العسكرية، عاش الأدب العربي بين نارين؛ نار الرغبة في قول الحقيقة، ونار السلطة التي لا تحب المرايا الصادقة. لم يكن الكاتب يومها مجرد صانع جُمل، بل شاهدًا على عصرٍ ثقيل، يحمل فوق كتفيه خوفه الشخصي ومخاوف وطنٍ كامل. وفي ذلك “الزمن الجميل“، كانت الحرية تُرفع كشعار لامع على الجدران، بينما تُقص أجنحة النصوص، التي تحاول أن تحلّق خارج السقف المرسوم.
– حرية معلنة… داخل قفص غير مرئي:
كانت الأنظمة تمنح الأدب حرية تشبه نافذة، تُفتح قليلًا ثم تُغلق عند أول نسمة مختلفة. يُسمح بالنصوص التي تُلمّع صورة السلطة، وتُعيد إنتاج خطابها،
وتزرع الطاعة في النفوس، كما تُزرع الأشجار الاصطناعية في ساحات الإسمنت. أما الكلمات التي تحمل أسئلة حقيقية، أو وجعًا صادقًا، أو رغبة في كشف العطب، فكانت تُعامل كخطر أمني لا عمل أدبي. وهكذا تحولت الحرية أحيانًا إلى ديكور سياسي أنيق، يخفي خلفه خوفًا عميقًا من الكلمة الحرة.
– حين يصبح الإسكات عقوبة:
كان بعض الأدباء المعروفين، يدفعون ثمن خروجهم عن “الطوق الثقافي“، بصمتٍ قاسٍ يشبه الإعدام البطيء. فما إن يكتب أحدهم نصًا لا ينسجم مع المزاج الرسمي، أو يعبّر عن رأي مختلف، حتى تبدأ أبواب الصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون، بالإغلاق تباعًا في وجهه. يتحول الكاتب فجأة من اسمٍ حاضر في المشهد، إلى ظلّ منسي، كأن السلطة لا تكتفي بمعاقبته، بل تحاول محو أثره من الذاكرة العامة. وكان هذا الحصار الثقافي أكثر قسوة أحيانًا من السجن نفسه، لأن الكاتب يعيش وهو يرى صوته يُدفن حيًا، تحت ركام الصمت المقصود.
– الطرد من المنظمات الثقافية:
لم يكن يكفي أن يكتب الأديب جيدًا، بل كان مطلوبًا منه أن ينسجم سياسيًا، مع الموقف الرسمي في كل تفصيل. ولهذا تعرّض بعض الأدباء للطرد أو التجميد، أو التضييق داخل المنظمات الثقافية، لأنهم شاركوا في نشاطٍ أدبي خارج البلاد، أو وقفوا على منصة لا ترضى عنها السلطة. كان المطلوب من الأديب، أن يكون نسخة مطابقة للخطاب الرسمي، لا روحًا مستقلة تبحث عن الحقيقة. وهكذا تحولت بعض المؤسسات الثقافية، بدل أن تكون بيوتًا للإبداع الحر، إلى بوابات تفتيش يُقاس فيها الإبداع، بميزان الولاء لا بميزان الفن.
– مصير الخارجين عن النص:
الأدباء الذين رفضوا الانحناء، وكتبوا بجرأة تشبه المشي فوق الزجاج، وجد كثير منهم أنفسهم خارج المشهد الثقافي، أو خارج البلاد نفسها. حملوا حقائبهم الصغيرة ومخطوطاتهم الثقيلة، ومضوا نحو المنافي “الاختيارية” البعيدة، بينما بقيت قلوبهم معلقة بأوطان لم تتسع لأصواتهم. كان المنفى بالنسبة إليهم جرحًا مفتوحًا، لكنه أيضًا مساحة يتنفس فيها النص بحرية أكبر. وفي الغربة، كتب كثيرون أجمل أعمالهم، كأن المسافة كانت تمنحهم القدرة على رؤية الوطن، بوضوح أكثر إيلامًا وصدقًا.
– الأدب… سلاح المقاومة الصامتة:
رغم كل شيء، ظل الأدب نافذة سرية، يدخل منها الضوء إلى العتمة. في القصائد والروايات والمسرحيات، خبّأ الكتّاب رسائلهم كما تُخبأ النار تحت الرماد. كانت الاستعارات تتحول إلى أقنعة ذكية، وكانت الرموز تقول ما لا يمكن قوله مباشرة.
الأدب الحقيقي لم يستسلم؛ بل ظل يحفر بصبرٍ في جدار الخوف، ويزرع في القارئ شعورًا خفيًا، بأن الحرية ممكنة مهما طال الليل.
– تأثير القمع على شكل الأدب وروحه:
تحت ضغط الرقابة، تطورت لغة أدبية، حاشدة بالتلميح والرموز والظلال. صار الكاتب يقول الشيء ونقيضه في الجملة نفسها، ويزرع المعنى الحقيقي بين لأن النص المباشر يتحول إلى تهمة. لكن هذا القمع، رغم ما ولّده من مهارات فنية، خنق أيضًا أصواتًا كثيرة، ومنع الأدب من أن ينمو بحرية كاملة، كما تنمو الأشجار في الضوء المفتوح.
– بين الأمس واليوم:
في زمننا اليوم تبدو السماء الرقمية أوسع، والمنصات أكثر قدرة على كسر الاحتكار الثقافي. صار الكاتب يستطيع أن ينشر نصه بضغطة زر، وأن يصل إلى قراء في جهات الأرض كلها، دون انتظار موافقة الرقيب. لكن القمع لم يختفِ تمامًا؛ بل غيّر ملابسه فقط. فثمة ضغوط جديدة تُمارس عبر التشهير، أو التضييق الاقتصادي، أو صناعة الجيوش الإلكترونية التي تحاصر الرأي المختلف. ومع ذلك، يبقى الفرق أن الكلمة اليوم، أصبحت أكثر قدرة على النجاة، وأكثر سرعة في الهروب من الجدران المغلقة.
–خاتمة:
كان الأدب، في ظل الأنظمة القمعية، معركة طويلة بين الحبر والسوط، بين صوت الإنسان ورغبة السلطة في صناعة الصمت. ورغم كل محاولات الطرد والتهميش والمحو، بقيت النصوص الحقيقية حيّة، تمشي بين الناس بذاكرة لا تموت. فالسلطة تستطيع أن تمنع كتابًا، أو تُقصي كاتبًا، لكنها لا تستطيع أن تُطفئ الفكرة، حين تتحول إلى جزء من وجدان الناس. ولهذا ظل الأدب، وسيبقى، المرآة التي تكشف الوجه الحقيقي للعصر، حتى لو حاولت الأنظمة تغطيتها، بستائر من الخوف الثقيل.

الكاتب مروان ناصح
