
د. أنطوان يزبك
جميل أن تكون حياتنا قائمة على الوضوح والمعرفة ، وما أقبحها إذا كانت متعثرة في الفوضى و العبثية ، وهل من” مساعد” على جلاء الغموض في حياتنا غير المعرفة والفلسفة ؟!
من هنا دعوة إلى التعمّق أكثر في فكر الفلاسفة و قد اخترت الفيلسوف أرسطو لأتناول بعضا من سيرته و أعماله .
يعتبر أرسطو أحد أعظم الفلاسفة في تاريخ البشرية ولا جدال في ذلك البتة.أثّرت أفكاره في كل مجال من مجالات الحياة تقريبًا، من الفلسفة والعلوم والسياسة والأخلاق والتعليم إلى المنطق الحديث. كان معظم الفلاسفة ينشغلون بالنظريات المجرّدة، لكن أرسطو رأى أن الحكمة يجب أن تُستخدم لمساعدة الناس على عيش حياة أفضل.
بعد أكثر من 2300 عام، لا تزال تعاليمه مؤثّرة في المدارس والجامعات والحكومات والفكر العلمي.
وُلد أرسطو في مدينة أسطاغيرا اليونانية الشمالية عام 384 قبل الميلاد وتوفي عام 322 قبل الميلاد . كان والده نيكوماخوس طبيبًا للعائلة المالكة المقدونيّة. نشأ أرسطو في عائلة طبية، و أحب منذ سن مبكرة الملاحظة وعلم الأحياء والاستقصاء العلمي. قادته هذه التأثيرات المبكرة لاحقًا إلى دراسة الطبيعة عن كثب، بدلاً من الاعتماد على التكهّن وحده.
في السابعة عشرة من عمره، ذهب إلى أثينا، العاصمة الفكريّة للعالم اليوناني، وانضم إلى أكاديمية أفلاطون. كان أفلاطون، تلميذَ سقراط وهو يعدّ آنذاك أحد أعظم فلاسفة اليونان. مكث أرسطو قرابة عشرين عامًا مع معلمه، ليصبح أحد ألمع تلاميذ أفلاطون . احترم أرسطو معلّمه بشدّة، لكنّه كثيرًا ما كان يختلف مع أفكار أفلاطون الذي كان مهتمًا بالأشكال المثالية والحقائق المجرّدة، بينما رأى أرسطو أن المعرفة يجب أن تبدأ بملاحظات العالم الواقعي.
عندما توفي أفلاطون، غادر أرسطو أثينا وقضى عدّة سنوات في السفر وإجراء الأبحاث. دعاه الملك فيليب الثاني المقدوني ليكون معلمًا لابنه، الإسكندر الأكبر ، فقبل بذلك نحو عام 343 قبل الميلاد. ومن خلال تعليمه للقائد الشاب، اكتسب أرسطو نفوذًا على أحد أعظم القادة العسكريين في التاريخ.
عاد أرسطو إلى أثينا بعد اعتلاء الإسكندر العرش، وأسس مدرسته الخاصة ، وعرفت باسم “الليسيوم” Lycée وعلى عكس العديد من المدارس السابقة، لم تركّز مدرسة الليسيوم على الجدل الفلسفي، بل شجّعت على الدراسة المنهجيّة لمواضيع تتراوح بين علم الأحياء وعلم الفلك والسياسة والأدب والأخلاق والمنطق. جمع أرسطو وطلابه النباتات والحيوانات والدساتير والملاحظات العلمية، مما جعل الليسيوم أحد أولى .المعاهد البحثيّة في تاريخ العالم. تصاعد الشعور المناهض للمقدونيين في أثينا بعد وفاة الإسكندر الأكبر عام 323 قبل الميلاد. وخوفًا من الاضطهاد السياسي، غادر أرسطو المدينة، ويُقال إنه صرّح بأنه لن يسمح لأثينا بأن “تخطئ ضد الفلسفة مرتين”، في إشارة إلى إعدام سقراط سابقًا. انتقل بعدها إلى جزيرة إيوبويا حيث توفي عام 322 قبل الميلاد عن عمر يناهز الثانية والستين.
اعتقد أرسطو أن جميع الرجال، بفطرتهم، يتوقون إلى السعادة، لكنه فهم السعادة بشكل أعمق بكثير من المتعة أو الراحة. تحدث عن ما يسمّى”يودايمونيا”، وهي كلمة يونانية غالبًا ما تُترجم بـ”الازدهار الإنساني” أو “العيش الجيد”. رأى أرسطو أن عيش حياة قائمة على الفضيلة والحكمة والمسؤولية والهدف هو مفتاح السعادة الحقيقية. ومن أشهر مفاهيمه الفلسفية “الوسط الذهبي”. زعم أرسطو أن الفضيلة تقع عمومًا بين طرفين متطرفين ضارّين. فالشجاعة، على سبيل المثال، هي بين الجبن والتهور. والكرم هو وسط بين الأنانية والإسراف. والثقة هي مكان بين انعدام الأمان والغطرسة. الرجل الحكيم لا يكون مفرطًا ولا مقصّرًا.
كما شدّد أرسطو على الحكمة العمليّة التي أطلق عليها “فرونيسيس”. فليس الذكاء كافيًا. الرجل الحكيم حقًا هو من يستطيع اتخاذ القرار الصحيح في الحياة اليوميّة، مازجًا العقل والتجربة بالإحساس و بالطابع الأخلاقي. اعتبر العديد من الفلاسفة العقل والجسد منفصلين، لكن أرسطو نظر إلى البشر ككائنات اجتماعية لا تحقق كامل إمكاناتها إلا من خلال الانخراط في الأسرة والصداقة والمجتمع. وهو مشهور بتسميته البشر “حيوانات سياسية”، بمعنى أن الناس يعيشون ويزدهرون بطبيعتهم في المجتمع. ولمدة نحو 2000 عام، شكّلت أعماله في المنطق أساسًا للتفكير العقلاني. وأصبحت أنظمته في الاستدلال الاستنتاجي محورية في الفلسفة والرياضيات والاستقصاء العلمي. كما كان عمله في علم الأحياء ثوريًا، إذ درس مئات الأنواع الحيوانية بدقة وحاول تصنيف الكائنات .
قلّة من المفكّرين كان لهم تأثير على الحضارة الإنسانية بقدر تأثير أرسطو. أثّرت كتاباته على اليونان القديمة، والإمبراطورية الرومانيّة، وأوروبا في العصور الوسطى، والعصر الذهبي الإسلامي، وعصر النهضة. كانت أفكاره محوريّة في الأخلاق والنظرية السياسية والميتافيزيقا في الفلسفة. في العصور الوسطى، جمع توما الأكويني وغيره من العلماء بين فلسفة أرسطو واللاهوت المسيحي، فأصبحت أعماله أساس الحياة الفكرية الأوروبية.
قام علماء إسلاميون، مثل ابن سينا وابن رشد، بترجمة أعمال أرسطو والحفاظ عليها وتوسيعها، مما سمح لأفكاره بالاستمرار حتى العصور الوسطى. كما يمتدّ تأثيره إلى العلم. فمع أن العديد من استنتاجاته العلمية تمّ تنقيحها بواسطة الأبحاث الحديثة، فإن إصراره على الملاحظة والتصنيف والاستدلال المنطقي أصبح أساس المنهجيّة العلميّة. لا يزال علماء السياسة اليوم يدرسون تحليلات أرسطو للدساتير والمواطنة والحكم الرشيد. وهو يؤمن بالتعليم الذي يبني المعرفة والشخصية الأخلاقية، وهي فكرة يقدّرها المربّون. لا تزال دروسه الأخلاقية تُستخدم لإثارة النقاش حول القيادة والمسؤولية والنمو الشخصي.
من أقوال أرسطو الأكثر شهرة وعمقًا: “الهدف الرئيسي من الرجال الحكماء ليس فقط تأمين المتعة في الحياة، بل محاولة الابتعاد عن الأشياء التي يمكن أن تسبب الألم.”
يعكس هذا الاقتباس نظرة أرسطو العمليّة للسعادة. قد يبدو هذا مفاجئًا في البداية، لأن الكثيرين يفترضون أن السعادة تأتي من السعي وراء المتعة. لكن أرسطو لم يوافق على ذلك. بل قال إن الحكماء يفكّرون مسبقًا، ويتجنبون العادات والقرارات والسلوكيات التي تؤدّي في النهاية إلى الألم. وهذا الألم قد يكون جسديًا أو عاطفيًا أو ماليًا أو أخلاقيًا أو اجتماعيًا. وعلى سبيل المثال، قد يحبّ الشخص الإنفاق المتهوّر اليوم، لكنه يواجه لاحقًا مشاكل ماليّة تجلب التوتر والمشقّة. وقد يحب آخر الأكل غير الصحي، لكن الصحة السيئة تأتي بعد سنوات. وقد يفضل الطالب الاستمتاع الآن بدلاً من الدراسة، لكنه يواجه لاحقًا تحدّيات أكاديمية.
[ دائمًا، المتعة المؤقتة هي أم الألم الدائم ].
المغزى الذي يطرحه أرسطو ليس أن المتعة سيّئة. لم يقل أبدًا إن على الناس رفض الاستمتاع تمامًا. بل رأى أن المتعة يجب أن تأتي بشكل طبيعي من عيش حياة فاضلة ومتوازنة.
لا تزال هذه الفلسفة وثيقة الصلة اليوم. ففي عالمنا الحالي، نتعرض دائمًا لإغراء وسائل التواصل الاجتماعي، والتسوق عبر الإنترنت، والوجبات السريعة، والقمار، والترفيه، سعيًا وراء الإشباع الفوري. قد توفّر معظم هذه الأنشطة إشباعًا فوريًا، لكن الإفراط في أي منها يمكن أن يسبب القلق، الديون، الإدمان، اعتلال الصحة، أو تدمير العلاقات. كان أرسطو لينصح الناس بطرح سؤال واحد بسيط قبل اتخاذ قرارات مهمة:
هل سيحسن هذا الاختيار حياتي على المدى الطويل، أم سيسبب لي المشاكل لاحقًا؟ هذه العادة في التأمّل والتفكير العميق هي ما يميّز الحكمة عن الاندفاع. كما يذكرنا اقتباسه بأن جزءًا من السعادة هو التمتع بالمرونة. الحياة عبارة عن أفعوانية( رولر كوسترRoller Coaster) مقابل كل صعود هناك نزول . لا تزيل الحكمة كل الألم، لكنها تساعد الناس على عدم إلحاق المعاناة غير الضرورية بأنفسهم من خلال القرارات السيّئة و ذلك من خلال الاعتدال، وضبط النفس، وحسن التقدير، حيث يستطيع الناس خلق حياة أكثر استقرارًا ومعنى وإشباعًا.
ختاما نستطيع القول أن أرسطو هو أكثر من مجرّد فيلسوف. لقد كان عالمًا، ومعلمًا، وباحثًا، وأحد رواد الفكر العظماء في التاريخ. لا يزال تفكيره حول الأخلاق والمنطق والسياسة والتعليم والعلوم يؤثّر على العالم الحديث. لم يكن أرسطو مثل أولئك المفكّرين الذين أرادوا وضع نظريات مجرّدة فقط. بل أراد مساعدة الناس على عيش حياة طيبة، باستخدام العقل والفضيلة والحكمة العمليّة.
