
القاصة والمخرجة فاطمة عبدالله
الكتابة تحت سقف منخفض لا تُقرأ، بل تُفكَّك. لا تمنح متعة بل تفرض مهمة، تجعل القارئ محققاً يبحث عن جريمة مخبأة خلف استعارة، ويفك شفرات مموهة خلف صمت. وما يخرج من هذه المفاوضات الطويلة بين الكاتب والرقيب والممكن والمسموح لا يشبه الأدب كثيراً، بل يشبه وثيقة استسلام موقعة بحبر جميل.
في عالمنا العربي الكتابة ليست إبداعاً خالصاً، بل فن تفاوض. تفاوض مع الخوف، ومع السقف، ومع ما يمكن قوله وما لا يمكن. والنص الذي يولد من هذه المفاوضات يحمل ندوبها، يتحدث بالتلميح حين تستحق الحقيقة الصراخ، ويلجأ إلى الرمز حين يستحق الواقع الاسم الصريح. فيتحول القارئ المسكين إلى مؤول يقرأ بين السطور ويتعامل مع الرواية كأنها نص صوفي لا عملاً أدبياً.
غير أن التاريخ يعلمنا أن السقف المنخفض وحده لا يقتل الأدب. كافكا كتب والخوف الوجودي يجثم على صدره، ودوستويفسكي كتب وهو يرى ظل المشنقة. لكن الفارق الجوهري أن هؤلاء كانوا يتفاوضون مع خوفهم الداخلي: مع الروح، مع الله، مع الموت، مع معنى الوجود نفسه. أما حين يكون التفاوض مع رقيب خارجي يملك قلماً أحمر، فالكلمة لا تتكثف لتصبح ألماساً، بل تتشقق لتصبح زجاجاً مكسوراً يلمع دون أن يضيء.
ومن هنا نفهم جانباً من جاذبية نظرية “الفن للفن”. فقد كانت في أصلها محاولة لتحرير الفن من الوصاية، وإعادة الاعتبار للجمال بوصفه قيمة مستقلة. أرادت أن تقول إن الفنان ليس موظفاً لدى السلطة، ولا واعظاً لدى المؤسسة الدينية، ولا منشوراً سياسياً متحركاً. كان ذلك تمرداً مشروعاً على تحويل الفن إلى أداة.
لكن المشكلة بدأت عندما تحول التمرد إلى عقيدة. فعندما ينفصل الجمال عن الحقيقة، وتنفصل التقنية عن الفكرة، يصبح الفن احتفالاً بالشكل على حساب المعنى. عندها قد نحصل على رواية مبهرة لغوياً لا تقول شيئاً مهماً، أو قصيدة متقنة الصياغة لا تضيف شيئاً إلى فهم الإنسان لنفسه والعالم.
وهنا يظهر مأزق النقد الأدبي المعاصر. فبدلاً من سؤال: ماذا أراد النص أن يقول؟ أصبح السؤال: كيف قيل؟ وبدلاً من البحث عن الفكرة، أصبح التركيز على الراوي والزمن والمكان والتقنيات والأساليب. وكأن الناقد يدرس المركبة وينسى أن يسأل إلى أين كانت تتجه.
الحقيقة أن الأدب العظيم لا يعيش بالشكل وحده، ولا بالرسالة وحدها. إنه يولد عندما يلتقي الجمال بالحقيقة. عندما تصبح اللغة جسراً لا حجاباً، والرمز نافذة لا متاهة، والتقنية خادمة للمعنى لا بديلاً عنه.
ولهذا تحيا الكتب المترجمة في قلوبنا أكثر مما تحيا كتبنا أحياناً. ليس لأنها أجمل لغة بالضرورة، بل لأنها غالباً كُتبت في فضاء أوسع، حيث يستطيع الكاتب أن يواجه أسئلته الكبرى مباشرة، دون أن يختبئ طويلاً خلف الاستعارة. لقد كُتبت في الهواء الطلق، حتى حين كان الهواء عاصفاً.
فالإبداع لا يحتاج إلى الراحة، ولا إلى غياب الألم، ولا حتى إلى غياب الخوف. لكنه يحتاج إلى الحرية. لأن الكلمة التي تولد حرة قد تجرح أو تصدم أو تخطئ، لكنها تبقى قادرة على الإضاءة.
أما الكلمة التي تولد أسيرة، فغالبًا ما تقضي عمرها كله وهي تحاول أن تشرح ما كانت تريد قوله منذ البداية.
