
القاصة والمخرجة فاطمة عبدالله
الذكاء الاصطناعي: النهاية المنطقية للمشروع النسقي
ربما يبدو السؤال في ظاهره غريبًا: لماذا تخشى المناهج الشكلانية-النسقية الذكاء الاصطناعي؟ فالآلة ليست ناقدًا أدبيًا، ولا تحمل موقفًا فلسفيًا من الأدب، ولا تدخل في صراع مع المدارس النقدية. لكنها مع ذلك تضع هذه المناهج أمام لحظة اختبار حاسمة؛ لأنها لا تأتي من خارج منطقها، بل تمثل ذروته التطبيقية.
لقد قامت السلالة الشكلانية-النسقية على حلم معرفي كبير: تحرير النص من الغموض، والبحث عن القوانين التي تنتظم إنتاجه. فالنص، وفق هذا التصور، ليس كائنًا غامضًا يستعصي على الفهم، بل بنية يمكن تفكيكها إلى عناصرها، ورصد العلاقات التي تحكمها، والكشف عن الأنماط التي تتكرر داخلها.
لقد كان هذا المشروع ثورة في تاريخ النقد؛ لأنه نقل الاهتمام من البحث عن نية المؤلف إلى دراسة النص ذاته، ومن الانطباعات الذاتية إلى التحليل المنهجي. لكنه حمل في داخله سؤالًا مؤجلًا: إذا كانت قيمة النص كامنة في نظامه الشكلي، فهل يمكن إنتاج هذا النظام دون وجود إنسان؟
هنا يظهر الذكاء الاصطناعي.
فالذكاء الاصطناعي هو التجسيد العملي لفكرة أن اللغة يمكن التعامل معها كنظام من الأنماط والعلاقات. إنه يتعلم من النصوص، يكتشف انتظاماتها، ثم يعيد تركيبها في نصوص جديدة. لا يحتاج إلى تجربة حياة حتى ينتج استعارة، ولا إلى ذاكرة شخصية حتى يبني شخصية روائية، ولا إلى وعي ذاتي حتى يحاكي أساليب الكتابة.
وهنا تقع المفارقة:
الآلة التي كان يُفترض أنها تهدد الأدب، أصبحت تكشف أن جزءًا كبيرًا من تعريفنا للأدب كان قريبًا من منطق الآلة.
فإذا كان الإبداع الأدبي هو القدرة على بناء حبكة، وضبط الإيقاع، وصناعة الصور، وإعادة إنتاج الأنماط السردية، فإن الذكاء الاصطناعي لم يدخل ساحة غريبة عنه، بل دخل قلب الساحة التي رسمتها المناهج النسقية نفسها.
لقد أصبحت الآلة قادرة على تقديم سؤال صادم للنقد:
إذا استطاعت غيرُ الذات الإنسانية إنتاج البنية الجمالية نفسها، فهل كانت البنية وحدها هي مصدر القيمة؟
هنا لا يهدد الذكاء الاصطناعي الأدب، بل يهدد فكرة اختزال الأدب في ما يمكن قياسه. فهو يكشف أن هناك فرقًا بين امتلاك الشكل وامتلاك الوعي الذي يمنح الشكل دلالته.
فالقصيدة ليست فقط ترتيبًا للكلمات، والرواية ليست فقط شبكة من العلاقات بين الشخصيات والأحداث. هناك شيء آخر يجعل العمل الإبداعي تجربة إنسانية: ذلك التوتر بين الذات والعالم، بين الذاكرة والوجود، بين الألم والرغبة في المعنى.
وهذا البعد تحديدًا هو الذي يصعب اختزاله في بنية.
إن أزمة المناهج الشكلانية-النسقية ليست أنها أخطأت حين درست الشكل، بل أنها قد تقع في الخطأ حين تجعل الشكل نهاية الطريق. فالخريطة ليست الأرض، والبنية ليست التجربة، والنظام ليس الوعي.
لقد منحنا الذكاء الاصطناعي درسًا فلسفيًا عميقًا: ما يمكن تفكيكه بالكامل قد يصبح قابلًا للتوليد بالكامل. وإذا أصبح الشكل قابلًا للإنتاج الآلي، فإن النقد يحتاج إلى إعادة طرح السؤال القديم بصيغة جديدة:
ليس فقط: كيف صُنع النص؟
بل: ما الذي يجعل هذا النص تعبيرًا عن وجود إنساني؟
لهذا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يمثل النهاية المنطقية للمشروع النسقي؛ ليس لأنه يقضي عليه، بل لأنه يحقق منطقه إلى أقصى مداه. فعندما تصبح الآلة قادرة على إنتاج ما كان يُعد دليل عبقرية الإنسان، يظهر أن خصوصية الإنسان لم تكن يومًا في مجرد صناعة الشكل، بل في الوعي الذي يسكن خلف الشكل ويمنحه قيمته ومعناه.
فالذكاء الاصطناعي لا يقتل الأدب، بل يحرره من وهم قديم: أن جمال البناء وحده هو سر الإبداع.
