زياد الرحباني

بقلم الدكتور سهيل يونس
من فترة وأنا أفكر بزياد الرحباني. كثرت الأحاديث عنه بعد مماته، وكلما سمعت الناس تتحدث عنه أشعر أن هناك شيئًا أساسيًا لا يأخذ حقه في الكلام عنه.
نتحدث عن زياد الملحن، عن موسيقاه، عن مسرحياته، عن مواقفه السياسية، عن سخريته، عن فيروز، وعن عاصي ومنصور. كل واحد يأخذ جزءًا من زياد ويتحدث عنه.
لكن ماذا يحدث إذا جمعنا كل هذه الأجزاء في شخص واحد؟
أنا لا أقول إن زياد الرحباني أعظم موسيقي في التاريخ. هناك موسيقيون أعظم منه. ولا أقول إنه أعظم عازف بيانو، أو أعظم كاتب مسرحي، أو أعظم ممثل، أو أعظم مخرج، أو أعظم ساخر سياسي. في كل واحد من هذه الاختصاصات يمكن أن نجد أسماء تفوقه.
السؤال الذي يحيرني هو شيء آخر تمامًا:
أين نجد شخصًا واحدًا فعل كل هذه الأشياء معًا، وكان مبدعًا فعلًا فيها كلها؟
زياد مؤلف موسيقي وموزع وعازف بيانو وكيبورد وبزق. يعرف الموسيقى الشرقية من داخلها، المقام والجملة والروح، ويعرف في الوقت نفسه الجاز والهارموني الغربي والفانك والبوسا نوفا والموسيقى الكلاسيكية.
ثم نترك الموسيقى جانبًا.
زياد كاتب مسرحي ومخرج وممثل. ولا أقصد أنه موسيقي ظهر في مسرحيته ومثّل قليلًا. خذ زكريا في بالنسبة لبكرا شو؟. بالنسبة إلي هذا دور من مستوى آخر تمامًا. التوقيت، النظرة، السكتة، طريقة لفظ الجملة، حركة الجسم. ممثل حقيقي كان يمكن، لو اختار التمثيل وحده، أن يبني عليه مسيرة كاملة.
ثم هناك زياد الإذاعي.
برامج مثل العقل زينة وغيرها لم تكن مجرد مكان يأتي إليه موسيقي مشهور ليعطي آراءه. كان هناك كاتب إذاعي له لغة خاصة، قادر على أخذ أتفه تفصيل في الحياة وتحويله إلى مشهد.
خذ مثلًا حكايته عن عملية أنفه. عشر سنوات وهو يعاني من انسداد وانحراف وsinusitis، ثم يقرر إجراء العملية. المفروض أن تأتي النهاية السعيدة: فتح أنفه وأصبح يستطيع أن يشم.
عند زياد، هنا تبدأ المصيبة.
يفتح أنفه، يشم العالم، ويكتشف أن رائحته لا تطاق. وفجأة يصبح غاضبًا من الناس: أنتم كنتم تشمون كل هذا طوال الوقت ولم تخبروني؟ كيف عايشين؟ لماذا أجريت العملية أصلًا؟
حادثة لا يوجد فيها شيء. لكنه يبني منها شخصية وإيقاعًا وتصعيدًا وعبثًا، ثم يصل إلى نتيجة تبدو، ضمن منطق الشخصية، منطقية تمامًا.
ثم هناك زياد السياسي. ويمكن أن نتفق معه أو نختلف معه، وهذا ليس موضوعي هنا. لم تكن لديه فقط “آراء سياسية”. عاش السياسة، كتبها، ناقشها، سخر منها، وأدخلها في المسرح والإذاعة والصحافة وفي نظرته إلى المجتمع اللبناني.
زياد الشاعر وكاتب الأغنية
وهناك زياد آخر لا يجوز أن يُنسى: زياد الشاعر وكاتب الأغنية.
وحتى هنا لم يشبه أحدًا.
لم يحتج زياد إلى اللغة الشعرية التقليدية حتى يكتب شعرًا. أخذ اللغة اللبنانية كما نحكيها، بترددها، وسخريتها، وعنادها، وحبها، وقرفها، وجملها الناقصة، وجعل منها أغنية.
هناك فرق بين أن تكتب قصيدة جميلة يمكن تلحينها، وبين أن تخلق لغة غنائية خاصة بك. زياد فعل الثانية.
جعل الكلام اليومي نفسه يحمل الشعر. أحيانًا تسمع الجملة وتشعر أن أي لبناني يمكن أن يقولها، لكن الغريب أن أحدًا لم يقلها بهذه الطريقة قبل زياد.
حتى أغنية الحب عنده ليست أغنية الحب المعتادة. لا حبيب كامل، ولا قمر وليل وعيون ونجوم بالضرورة. هناك إنسان حقيقي، متردد، ساخر، مجروح، عنيد، وأحيانًا سخيف، تمامًا كما يكون البشر في علاقاتهم الحقيقية.
والسياسة تدخل الأغنية من دون أن تتحول بالضرورة إلى نشيد. وكذلك الفقر، والمدينة، والوحدة، والملل، والعلاقات بين الناس.
كتب الإنسان العادي بلغته العادية، واكتشف الشعر المختبئ داخل الاثنين.
وحتى عندما غنّى زياد، لم يحاول أن يكون مطربًا بالمعنى التقليدي. غنّى بصوته، بطريقته، وبأسلوبه الخاص، وترك في الغناء أيضًا بصمة لا تشبه أحدًا. يكفي أن نسمع شريط أنا مش كافر لندرك أن زياد لم يكن يحتاج إلى صوت استثنائي كي يخلق طريقة استثنائية في الغناء.
حتى عندما غنّى، غنّى زياد كما لا يستطيع أن يغنّي إلا زياد.
زياد الفكاهي
ثم هناك زياد الفكاهي.
وحتى كلمة “فكاهي” لا تكفي، لأن زياد لم يكن يملك نوعًا واحدًا من الفكاهة.
كان من أوائل من جعلوا اللغة اللبنانية نفسها مادة للكوميديا. يلعب بالصوت والكلمة والمعنى المزدوج، ويفكك الجملة ثم يعيد تركيبها أمامك بمعنى لم يخطر لك. مثل “عم تسعى”، ليسأل: “عم تسعى لشو؟”، فيأتي الجواب: “عم تسعى لعشرة”. تسمع اللعبة بعد وقوعها وتقول: كيف لم ننتبه طوال حياتنا إلى أن هذه الكلمات تحتمل ذلك؟
لكن اللعب على الكلام كان مجرد واحدة من أدواته.
هناك مستوى آخر تمامًا في حواراته، حيث لا توجد “نكتة” بالمعنى التقليدي. هناك موقف وشخصيتان ومنطق يبدأ عاديًا ثم ينحرف تدريجيًا، فيما الشخصيتان تواصلان الحديث بمنتهى الجدية.
حوار مستر أنطون وزياد، وموضوع “الكبسة ونص كبسة”، مثال مذهل. الضحك لا يأتي من جملة واحدة تستطيع اقتطاعها ونقلها. يأتي من البناء نفسه، من السؤال والجواب، وسوء الفهم، والتكرار، وإصرار كل شخصية على منطقها، حتى يصل الحوار إلى مكان عبثي تمامًا، فيما يبدو الطريق الذي أوصلنا إليه منطقيًا بصورة عجيبة.
وهناك نوع آخر من الفكاهة لا يحتاج حتى إلى نكتة. أحيانًا يخلق زياد شخصية تصبح هي نفسها مصدرًا للكوميديا. طريقة تفكيرها، نظرتها، سكوتها، غضبها، وطريقة قولها لأبسط جملة، كلها تضحك.
وهناك العبث والسخرية الاجتماعية والسياسية. يبدأ من موقف يومي صغير، ثم يكشف من خلاله شيئًا عن اللبناني، أو الطبقة، أو السلطة، أو الطائفية، أو العلاقات بين الناس. تضحك أولًا، ثم تكتشف أن وراء الضحكة ملاحظة شديدة الذكاء.
كان يستطيع أن يضحكك بالكلمة، وبالمعنى، وبالموقف، وبالشخصية، وبالسكتة، وبالتكرار، وبالعبث، وبالسياسة.
واللافت أن كل ذلك يبدو عفويًا. تسمع الحوار فتحس أن شخصين جالسان يتحدثان وأن الكلام خرج منهما في تلك اللحظة. لا تشعر بالكاتب وراءهما. لكن بناء حوار بهذا الإيقاع، ومعرفة متى يأتي السؤال، ومتى تتكرر الجملة، ومتى تسكت الشخصية، ومتى تأتي الكلمة التي تقلب المشهد، هو بحد ذاته صنعة.
وربما كان الموسيقي داخل زياد حاضرًا حتى هنا. فالحوار عنده له إيقاع: السؤال والجواب، التكرار، السكتة، ثم الجملة التي تأتي في اللحظة الصحيحة. كأن للحوار ميزانه وإيقاعه مثل الموسيقى.
حتى الفكاهة عند زياد كانت فنًا قائمًا بذاته: تبدو عفوية، لكن وراء عفويتها بناء لغوي وحواري بالغ الذكاء.
طيب، أين نجد شخصًا آخر يجمع كل هذا؟
هنا بالنسبة إلي تبدأ ظاهرة زياد الرحباني.
حاولت أن أبحث عن المقارنة.
تشارلي تشابلن؟ ممثل وكاتب ومخرج وملحن وساخر اجتماعي عظيم. اقتربنا. لكن أين الموسيقي المحترف صاحب العالم الموسيقي المستقل بهذا الحجم؟
ليونارد برنشتاين؟ مؤلف، قائد أوركسترا، عازف بيانو، رجل مسرح موسيقي، مثقف ومعلم استثنائي. ممتاز. أين الممثل؟ أين الكاتب المسرحي الساخر؟ أين ذلك العالم الإذاعي؟
أورسون ويلز؟ ممثل، مخرج، كاتب، مسرح، راديو. ظاهرة بحد ذاته. أين الموسيقى؟
كلما أجد شخصًا وأبدأ بإضافة الدوائر، يسقط في دائرة ما.
زياد يبقى واقفًا في المنتصف.
وهذه نقطة أساسية. العبقرية هنا ليست أن يكون رقم واحد في كل شيء.
لو أخذنا كل اختصاص على حدة، سيخسر زياد كثيرًا من المسابقات. وهذا طبيعي. لكن المسألة ليست مسابقة بين زياد وموزارت في التأليف، أو بين زياد وتشابلن في التمثيل.
المسألة هي الـintersection.
مؤلف موسيقي، موزع، عازف، ابن الموسيقى الشرقية والغربية معًا، كاتب أغنية، كاتب مسرحي، مخرج، ممثل، إذاعي، فكاهي، ساخر سياسي، وصاحب مشروع فكري.
ضع كل هذه الدوائر فوق بعضها، ثم اسأل: كم شخصًا بقي واقفًا في المنتصف؟
لا أعرف.
وحتى لو أخذنا الموسيقى وحدها…
هناك شيء آخر لطالما أدهشني في زياد:
زياد لم يكن يكرر زياد.
في الموسيقى التجارية formula معروفة. ينجح صوت معين، فيكرره صاحبه، ثم يأتي عشرات غيره ليكرروه. وهذا مفهوم. الصناعة تريد ما نجح.
زياد كان يعمل العكس تقريبًا.
اسمع أعماله الأولى مع الرحابنة، ثم أعماله لفيروز، ثم موسيقى مسرحياته، ثم أعماله المستقلة. أغنية بعد أغنية، مرحلة بعد مرحلة.
أين الـformula؟
تكاد كل أغنية تفتح بابًا مختلفًا.
مرة تستطيع أن تأخذ الـharmonic progression وحده وتبني منه مشروعًا. مرة طريقة دخول البزق أو البيانو. مرة الـbass line. مرة العلاقة بين المقام الشرقي والهارموني الغربي. مرة الإيقاع. ومرة طريقة تلحين الجملة اللبنانية نفسها.
الأغنية عند زياد ليست دائمًا مجرد أغنية جميلة.
أحيانًا تشعر أنها تقول للموسيقي الذي يسمعها:
“شوف، فينا نعمل الأغنية العربية هيك كمان”.
الموسيقي الجيد يستطيع أن يجد لغة جميلة ويكتب فيها عشرات الأغاني.
الموسيقي المبدع يخلق لغة.
أما زياد، فكان يخلق لغة، ثم يبدو وكأنه يملّ منها قبل أن نلحق نحن أن نفهمها، فيذهب ليفتح بابًا آخر.
والأغرب أنك، رغم كل هذا التنوع، تسمع بضعة measures وتقول: هذا زياد.
كيف يستطيع مؤلف ألا يكرر نفسه، وفي الوقت نفسه لا يفقد هويته؟
هنا، بالنسبة إلي، تبدأ العبقرية الموسيقية.
ولهذا عندما أقول إن زياد الرحباني بالنسبة إلي واحد من أعظم من عاشوا في زمننا، لا أقصد أنه الأفضل في كل فن مارسه.
أقصد شيئًا ربما يكون أندر من ذلك.
لا أعرف شخصًا آخر احتل بمفرده كل هذه المساحة من الإبداع الإنساني.
ربما هناك من أعرفه أقل، وربما يستطيع أحد أن يعطيني اسمًا يجعلني أغيّر رأيي. أتمنى ذلك فعلًا.
لكن حتى الآن، كلما حاولت أن أبني زياد الرحباني من فنانين عالميين آخرين، أحتاج إلى أكثر من شخص.
آخذ الموسيقى من واحد، والمسرح من آخر، والتمثيل من ثالث، والفكاهة والإذاعة من رابع، والشعر من خامس، والفكر السياسي من سادس.
ثم أجمعهم وأقول:
هلأ صار عندي، تقريبًا، زياد الرحباني.
وهون، بالنسبة إلي، تكمن الظاهرة.
أتلانتا ٢٠٢٦
