تنبثق النزعة الإنسانيّة في شعر الشاعر السعودي ابراهيم الجريفاني من إحساسٍ عميق بالإنسان بوصفه كائنًا هشًّا، قلقًا، مشتاقًا إلى الألفة والطمأنينة والحبّ والسلام. ففي قصائده تتحوّل الذات الإنسانيّة إلى مرآةٍ للوجدان الإنسانيّ العام، حيث يمتزج الحنين بالخوف، والذكرى بالأمل، والوجع بالرغبة في الخلاص. ولذلك تبدو الذات الشاعرة عنده ذاتًا منفتحة على الآخرين، تستشعر معاناتهم، وتبحث عن المعنى الإنسانيّ في أكثر اللحظات ظلمةً ووحدة.
في قصيدة «توكأتُ من أديم الليل»، يصوّر الشاعر الإنسان بوصفه كائنًا يسير في عتمة الوجود متكئًا على ما يخفّف وحشته. فالليل هنا فضاءٌ نفسيّ كثيف بالقلق والضياع، أمّا «الظلّ» فيتحوّل إلى رمزٍ للمؤانسة الداخليّة: «ظلٌّ جاورني .. ظلٌّ صامتًا .. أُحدّث نفسي .. بقي منصتًا ..» فالإنسان، حين يعجز عن إيجاد من يصغي إليه، يخلق من وحدته رفيقًا متخيّلًا يشاركه قلقه. وهذه الصورة تعبّر عن حاجة الإنسان العميقة إلى من يسمعه ويحتويه. وحين يقول: «تعثّرتُ من حجرٍ .. تعثّر دون حجر؟» فإنّه يمنح الظلّ صفاتٍ إنسانيّة، وكأنّ التعب والخذلان أصبحا حالةً مشتركة بين الذات وكلّ ما يحيط بها. وهنا تتجلّى النزعة الإنسانيّة في أرقى صورها؛ إذ يصبح الألم لغةً كونيّة يتقاسمها الجميع.
ثمّ إنّ الشاعر يربط الطمأنينة بالعتمة لا بالنور، ففي اللحظة التي يشعل فيها النار كي يرى «تفاصيل الظلّ»، يتوارى هذا الظلّ خلفه: «اِنبلج الضوء .. فتوارى خلفي كي لا أرى مؤنسي» وكأنّ بعض أشكال الأمان النفسيّ تُدرك بالشعور الغامض الذي يمنح الإنسان القدرة على الاحتمال. لذلك يطفئ النار ليعود الظلّ «يحضنه»، في صورة إنسانيّة شديدة العذوبة، تكشف حاجة الإنسان إلى الحنان ولو كان متخيّلًا.
وفي قصيدة «أنسنة الأماكن» تتحوّل النزعة الإنسانيّة إلى احتفاء بالذاكرة العاطفيّة. فالمكان عند الشاعر الجريفاني كائنٌ حيّ يحتفظ بأثر من مرّوا به: «عبق المكان عطركِ .. عانقتُ ظلالكِ المُبتسم» فالإنسان يترك شيئًا من روحه في الأمكنة، لذلك تصبح الذكرى نوعًا من الحضور المستمرّ على الرغم من الغياب. ومن هنا يعبّر الشاعر عن حاجة الإنسان إلى الحبّ بوصفه القوّة الوحيدة القادرة على مقاومة الفناء والنسيان. إنّ الحبيبة رمزٌ لكلّ علاقة تمنح الإنسان معنى لوجوده.
وتتّسع النزعة الإنسانيّة لتشمل الألم الجماعيّ في المقطع الثاني من القصيدة يغادر الشاعر عالمه الخاصّ ليدخل عالم الإنسان المقهور وسط الحروب والخراب: «بين الأنقاض أنين .. أرواح تتوشّح الخوف» إنّه يصوّر الكارثة من زاوية إنسانيّة خالصة؛ أرواح خائفة، أنين، صمت، وغياب للأمان. ويبلغ المشهد ذروة تأثيره في قوله: «أيُّ صبحٍ يأتي منه به الغد» حيث يتحوّل المستقبل نفسه إلى سؤالٍ وجوديّ يطرحه الإنسان في لحظات الخراب. لكنّ الشاعر، على الرغم من هذا السواد، لا يفقد إيمانه بالرحمة: «اللهم .. أفئدتنا ترنو رحمتك» فتغدو القصيدة دعاءً جماعيًّا باسم الإنسانيّة الجريحة.
وفي قصيدة «صلاة الشكر» تتجلّى النزعة الإنسانيّة في بعدها الروحيّ والأخلاقيّ. فالشاعر يدعو إلى إقامة «صلاة الحبّ» فوق أرضٍ مثقلة بالموت: «تعالوا .. لنُقيم صِلات صلاة الحبّ .. على هذه الأرضِ .. أنين أرواحٍ موؤودة» إنّه يرى الحبّ فعل خلاصٍ إنسانيّ، ويرى الروح قادرة على تجاوز الخراب عبر التآلف والتسامح. لذلك تتحوّل الصلاة من ممارسة فرديّة إلى رسالة إنسانيّة جماعيّة، هدفها إنقاذ الإنسان من القسوة والكراهية.
كما تظهر هذه النزعة في دعوته إلى تجاوز الماضي وعدم الارتهان للألم: «نطوي ما تبقّى من الأمس / فنواميس الكون / الأمس لا يعود» فالشاعر هنا يدعو إلى الانبعاث والتجدّد، وإلى استقبال الشمس بوصفها رمزًا للحياة والأمل. وهذه الرؤية تعبّر عن إيمان إنسانيّ عميق بقدرة الإنسان على النهوض مهما اشتدّ الخراب.
وفي قصيدة «عانقني بخوركِ يا أنتِ» تتجلّى إنسانيّة الحنين والوفاء للذكرى: «مازال .. عطركِ من يدي .. يُرجع صدى أغنيتكِ» فالذكرى هنا حضور حيّ يعيد تشكيل العالم الداخليّ للشاعر. ويقول: «الأماكن لو تعلمين .. تتأنسن بمن مرّوا بها» وهي عبارة تختصر رؤيته الإنسانيّة كلّها؛ فالأمكنة لا تصبح حيّة إلا بالإنسان، والإنسان لا يكتمل إلا بما يتركه من أثرٍ عاطفيّ وروحيّ في الآخرين.
وهكذا تبدو تجربة ابراهيم الجريفاني الشعريّة أقرب إلى تراتيل وجدانيّة تُعيد للإنسان صوته وسط ضجيج العالم. فهو، على غرار شعراء الرومنسيّة الذين جعلوا من الذات نافذةً لرؤية الكون، يحوّل الحنين والذكرى والألم إلى لغةٍ إنسانيّةٍ شاملة. غير أنّه يختلف عن النزعة الرومنسيّة المنغلقة على حزنها، إذ يفتح قصيدته على أفقٍ روحيّ يلامس التصوّف أحيانًا، فتغدو الظلال كائناتٍ مؤنسة، وتتحوّل الأمكنة إلى ذاكرةٍ نابضة بالحياة، ويصبح الحبّ فعل خلاصٍ في مواجهة الخراب. لذلك تأتي لغته شفّافةً كهمسٍ داخليّ، مشبعةً بصورٍ تستند إلى الإيحاء أكثر من التصريح، فتمنح النصّ جماله التأمّليّ، وتجعل القصيدة مرفأً تتلاقى فيه الأرواح المتعبة بحثًا عن دفءٍ إنسانيّ لا ينطفئ

د. جوزاف ياغي الجميل
