في مساءٍ ثقافيٍّ مشحونٍ بأسئلة الذات العميقة، انعقدت ندوةٌ أدبية عبر تطبيق Zoom ، نظّمتها منصة الغرفة 19 يوم الاثنين الرابع من أيار (مايو)، بإدارة الأديبة والكاتبة إخلاص فرنسيس، وحملت عنواناً لافتاً: « بين الاعتراف والتشفير ؛ السيرة والرواية في زمن القلق »؛ وكان ضيفها الكاتب السوري الكردي هيثم حسين، الذي فتح أبواب السؤال على مصاريعها، ليقدّم إجابات شافية، ويعيد ترتيب الإشكاليات في ذهن المتلقي.

لم تكن الندوة حديثاً عن تقنيات السرد فحسب، لكنها كانت مساءلة عميقة لعلاقة الكاتب بذاته وتجربته، وبذاكرته، وبالآخرين الذين يمرّون، شاءوا أم أبوا، في نصّه، فالسيرة، كما طُرحت، ليست مجرد استعادة لما كان، بل هي إعادة تشكيلٍ لما يُراد أن يُسرد عن ذلك الذي كان، وهنا تتداخل الحدود بين الاعتراف بوصفه كشفاً، والتشفير بوصفه إعادة صياغة، بين الصراحة التي قد تُوجع، والمواربة التي قد تحمي.
أضاء حسين، بوعيٍ نقديٍّ لافت، على فكرة أن كتابة السيرة في قالبٍ روائي لا تعني الهروب من الحقيقة، بقدر البحث عن شكلٍ أكثر احتمالاً لقولها، فالرواية تمنح الكاتب مساحةً للترميز، لإعادة توزيع الضوء على التجربة، بحيث لا تبقى أسيرة الواقعة فقط، لكنها تتحوّل إلى معنى اعمق واوضح، وهنا لا تعود الحقيقة حدثاً يُروى سردا، إنما إحساساً يُنقل، وقد يكون، في كثيرٍ من الأحيان، أصدق من السرد التقريري المباشر.
غير أن السؤال الأكثر حساسيةً جاء من مداخلةٍ في الندوة: هل يُعدّ إخفاء بعض الوقائع كذباً على القارئ؟ ؛ وكان الجواب، في عمقه، تفكيكاً لهذا التصور الثنائي البسيط بين الصدق والكذب؛ فالسيرة، بطبيعتها، فعلُ انتقاء لما ينشر؛ لا يمكن لكاتبٍ أن يكتب حياته كاملةً، كما لا يمكن للذاكرة أن تحتفظ بكل شيء على الدرجة نفسها من الحضور، لكن الفارق الجوهري يكمن بين « الحذف » و« التزييف »: فالحذف اختيارٌ مشروع، وقد تكون ضرورة إنسانية وفنية، أما التزييف فهو قلبٌ للحقيقة ، يُفقد النصّ صدقيته مهما تجمّل .
في سياقٍ أكثر عمقاً، جاء التصنيف الثلاثي للمعلومة: ما هو للعموم، وما هو خاص، وما هو سرّي؛ وهو تصنيف لا ينتمي إلى الحرفة وحدها، لكن ينتمي إلى الأخلاق؛ فالمعلومة العامة قابلة للنشر والمشاركة مع الجميع، تحمل فائدةً أو تجربةً إنسانيةً يمكن أن تضيء للآخرين طريقاً، أما الخاصة، فهي تلك التي تتطلّب حذراً في الطرح، إذ قد تمسّ خصوصياتٍ أو علاقات، وهنا يلجأ الكاتب إلى التلميح أو الترميز بقدر معين، حفاظاً على التوازن بين الصدق والستر، أما السرّية، فهي منطقة الصمت الواجب؛ حيث لا يكون الكتمان نقصاً، بقدر ما هو موقفاً أخلاقياً ناضجاً.
بهذا المعنى، لا يُقاس صدق السيرة بكمّ ما كُشف، إنما بنوعية ما اختير أن يُكشف، فالكاتب ليس معنياً بأن يعرّي حياته، ولا أن يحوّل نصّه إلى محكمة اعتراف، بل أن يقدّم من تجربته ما يحمل معنى وافكار، وما يضيف إلى وعي القارئ من امتيازات، إن السيرة في جوهرها، ليست استعراضاً للوقائع، لكن بحثٌ عن دلالتها.
لعلّ أكثر ما يميّز هذا الطرح أنه يُخرج الكاتب من وهم « الحرية المطلقة » إلى فضاء « الحرية المسؤولة »؛ فالكتابة عن الذات لا تخصّ الذات وحدها، لكن تمتدّ إلى الآخرين الذين تقاطعت حياتهم معها، وإلى القارئ الذي يمنح النصّ ثقته، ومن هنا، يصبح السؤال الأخلاقي ملازماً للسؤال الفني: ماذا أقول؟، وكيف أقول؟، ولماذا أقول؟.
في زمن القلق، حيث تتكاثر الحكايات وتضطرب المعايير، تبدو السيرة، سواء جاءت في هيئة اعترافٍ صريح أو روايةٍ مُشفّرة، محاولةً لإنقاذ المعنى والأفكار من الضياع، لكنها، في الوقت ذاته، تظلّ فعلاً إنسانياً ناقصاً، لا يدّعي الإحاطة، ويكتفي بالاقتراب.
لا تنتهي المسألة عند حدّ ما قيل في تلك الندوة، بل تبدأ منها أسئلةٌ أوسع: هل نحتاج إلى مزيدٍ من الصراحة، أم إلى مزيدٍ من الحكمة في القول؟ ، وهل الحقيقة تُقال كاملةً، أم تُروى بما يحتمله الإنسان؟ ،أسئلةٌ تبقى مفتوحة، كما ينبغي لها أن تبقى، لأن الكتابة، في نهاية المطاف، ليست جواباً نهائياً بقدر انها طريقٌ مستمرٌّ نحو فهمٍ أعمق للذات والبيئة المحيطة، ولما نجرؤ على قوله عنها.

( عماد عواودة ، ابو حازم
الأربعاء ٠٦ أيار « مايو » ٢٠٢٦ ، قميم / الاردن )